محمد أبو زهرة

1813

زهرة التفاسير

على الحق ، ولا يكون الجهاد بمقتضى العرف الإسلامي إلا ردا للاعتداء . والجهاد لا يكون بالقتال وحده ، بل يكون ببذل المال في تأييد الحق ، وبالبيان في الدعوة إليه ، ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم : « جاهدوا المشركين بأنفسكم ، وأموالكم ، وألسنتكم » « 1 » . ومعنى النص الكريم : لا يستوى الذين قعدوا عن الجهاد لإعلاء كلمة الحق ، ولم يخرجوا مناصرين له بأنفسهم وأموالهم ، مع الذين قعدوا عن ذلك ، من غير ضرر ملازم لهم ، كمرض مزمن أو عمى أو شلل أو عرج ، أو الذين لا يجدون ما ينفقون منه في إعداد العدة ، ولا يوجد من يقدم لهم السيف والزاد والراحلة . وقد بين الله سبحانه وتعالى أولى الضرر في آية أخرى ، فقال : لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 91 ) وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ ( 92 ) [ التوبة ] . ونجد في هذا النص الكريم أن الإخلاص مع الاستعداد وعدم القدرة على التنفيذ ، قد يغنى عن الجهاد ، أو على الأقل يسقط المؤاخذة ، ولذا قال تعالى : إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ أي أخلصوا ، وبذلوا في سبيل الله أقصى ما يستطيعون بذله . ونجد في النص الكريم إشارة إلى أن الجهاد بالمال جهاد ، وإلى أن القعود نوعان : أولهما . قعود مادي حسى ، بمعنى ألا يخرج من الدار والعدو متأهب لمنازلة أهل الإسلام ، أو غزوهم في عقر دارهم ، وما غزى قوم في عقر دارهم ، إلا ذلوا ، كما قال فارس الإسلام على - رضي الله عنه - ، والثاني . قعود عن

--> ( 1 ) رواه أبو داود : الجهاد - كراهية ترك الغزو ( 2504 ) ، وأحمد : باقي مسند المكثرين ( 11837 ) ، والدارمي : الجهاد - جهاد المشركين باللسان واليد ، كما رواه النسائي : الجهاد - وجوب الجهاد ( 3096 ) ولفظه عند النسائي : « جاهدوا المشركين بأموالكم وأيديكم وألسنتكم » كلهم عن أنس ابن مالك رضي الله عنه .