محمد أبو زهرة

1807

زهرة التفاسير

بعد أن بين سبحانه وتعالى في الآيات السابقة أحكام القتل الخطأ ، نبه سبحانه إلى توقى المجازفة في القتل ، فلا يسارع المؤمن إليه ، لأن الأصل في الدماء أنها محرمة ، ولا تباح إلا عند الاعتداء . ولذا قال جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا الضرب في الأرض معناه السير فيها ، والضرب في سبيل الله معناه السير مجاهدا في سبيله تعالى ، وكل جهاد في الإسلام لا يعتبر جهادا إلا إذا كان في سبيل الله تعالى ، أي لإعلاء كلمة الحق والدين ، ورد المعتدين . فسبيل الله هي سبيل الحق ، وكل دعوة إلى الخير هي سبيل الله تعالى ومعنى « تبينوا » : تثبتوا ، وهناك قراءة نصها : « فتثبتوا » « 1 » . ومعنى النص الكريم : يا أيها الذين أذعنوا للحق وصدقوا به ، وخرجوا مجاهدين في سبيل الله ، إذا سرتم في جهادكم ، فتعرفوا من يحاربكم ومن يعاديكم ، ولا تضعوا السيف في موضع البرء والسقم ، في المقاتل وغير المقاتل ، في المحارب وغير المحارب ، ولا تتعجلوا بالقتل عند الشك في أن من تقتلونه عدو أو ولى ، أو عند احتمال ألا يكون عدوا ؛ فإن الأصل في الدماء التحريم ، وكل شك يمنع القتل ؛ إذ القتل إنما هو لدفع الاعتداء ، فلا يقتل إنسان إلا عند تأكد الاعتداء منه ، أو نيته عنده ، ومن لم يتثبت ، فقد خالف أمر الله واعتدى . وروى في سبب نزول هذه الآية روايات مختلفة ، كلها يتلاقى عند معنى واحد ، وهو أن المجاهدين الأطهار قتلوا رجلا نطق بالشهادتين : « لا إله إلا الله ، محمد رسول الله » ، بعد أن استمكن المسلمون من رقبته ، أو قال للمجاهدين : السلام عليكم ، فقتلوه ، وقد جاء في ( أحكام القرآن ) للقرطبي : في سنن ابن ماجة عن عمران بن حصين ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسلمين إلى المشركين بعثا ، فقاتلوهم قتالا شديدا ، فمنحوهم أكتافهم ، فحمل رجل على رجل من المشركين ، فلما غشيه قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، إني مسلم ، فطعنه فقتله ،

--> ( 1 ) وبها قرأ حمزة والكسائي ، وخلف ، وقرأ الباقون فَتَبَيَّنُوا . غاية الاختصار ، ج 2 ، ص 466 .