محمد أبو زهرة
1801
زهرة التفاسير
الاحتراز وصيانة الأنفس ، وحسبك مثلا في عصرنا أننا نرى استهانة سائقى السيارات بالأنفس لنقص العقوبة على جريمة القتل الخطأ ، فكان التقصير في تحرزهم واضحا ، ولأن من المقررات الشرعية ألا يذهب دم في الأرض الإسلامية هدرا ، وقد قال في ذلك الزيلعي من فقهاء الحنفية : الضمان في الخطأ بضرورة صون الدم من الإهدار ، ولولا ذلك لتخاطأ كثير من الناس ، وأدى إلى التفانى ، ولأن النفس محترمة ، فلا تسقط بعذر التخاطؤ ، فيجب المال صيانة لها من الإهدار . وأما السبب في كون العقوبة على هذا النحو ، فقد أشرنا من قبل إلى أنه قد اعتدى على الجماعة بتقصيره في التحرز ، فوجب عليه أن يعوض الجماعة الإسلامية عما فقدت ، واعتدى على الأسرة فثكلت عائلها أو وليها ، فكان لا بد من تعويضهما ، فأما تعويض الجماعة فبإعتاق رقبة مؤمنة ؛ لأن تحرير العبد كأنه إحياء له ، إذ الحرية هي الحياة ، ولأنه أفقد الجماعة عنصرا عاملا فيها ، فكان لا بد من تعويضها بعنصر عامل لها ، والعبد عمله لسيده ، أما الحر فعمله لجماعته ، واعتداؤه على الأسرة كان تعويضها عنه ذلك المال المدفوع . هذه حال الاعتداء بالخطإ على المؤمن في دولة الإيمان . أما إذا كان المؤمن ينتمى إلى الأعداء فإن الدية لا تدفع . قال تعالى : وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ أي أنه إذا كان ينتمى إلى الأعداء ، فإن الدية لا تدفع . لأن أموال الأعداء وأرواحهم غير مصونة ، ولأن إرسال الدية إلى قومه تقوية لهم على المؤمنين ، فلا تعوض أسرة القتيل ، ولكن تعوض الجماعة الإسلامية بالحرية التي تمنح لواحد منها تعويضها عما فقدت . والحال الثالثة : إذا كان المقتول من قوم بينهم وبين المؤمنين عهد وميثاق ، وفي هذا تدفع الدية إلى أهله ، ولذا قال سبحانه : وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ، والذين لهم ميثاق فريقان : فريق