محمد أبو زهرة
1795
زهرة التفاسير
لدفع الاعتداء ، فإذا كانوا كذلك فما جعل الله لكم في شرعه وأحكامه سبيلا لقتالهم . وفي النص الكريم إشارتان لفظيتان : أولاهما - قوله سبحانه : فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا ، إذ التعبير ب « عليهم » يومئ إلى أن قتالهم اعتداء عليهم ، وما جعل الله لكم حق الاعتداء ، فالمعنى : ما جعل الله سبحانه لكم سبيلا للاعتداء ب « عليهم » . الثانية - التعبير بلفظ السلم بدل السلام للإشارة إلى معنى التسليم ، لا مجرد الأمن والسلام ؛ لأن السلم يفيد معنى التسليم ، فهم ألقوا إليكم الأمن وتسليم القيادة لكم . وهناك صنف آخر غير هؤلاء المسالمين ، وهم قوم يخادعون ، لا يكفون عن القتال ، وقد قال سبحانه فيهم : سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها هذا صنف أخير يتجه إلى أن يأمن قومه ، فلا يقاتلهم ، ويأمن المؤمنين حتى لا يقتلوه ، ولكنه لا يمد يد الأمان ، ولا يسلم القياد ، وهؤلاء إذا دعوا إلى القتال ، ولم يعترضوا منفردين لأذى المؤمنين ، استجابوا للقتال في صفوف المشركين ، فهم يظهرون الأمان ، أو يظهرون الإسلام ، ليأمنوا جانب المؤمنين ، فإن لاحت لهم فرصة الانضمام لأعداء الله قاتلوا معهم ، وهذا مرمى قوله تعالى : كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها ، أي كلما ردوا إلى قومهم مفتونين بعصبيتهم وكفرهم ، قلبت نفوسهم أقبح قلب ، فأركسوا في فتنة الكفر والعصبية ، وهؤلاء أوجب الإسلام قتالهم إذا لم يعتزلوا أقوامهم ويكفوا أيديهم عن قتال المسلمين ، ولذا قال سبحانه : فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً . أي إن لم يعتزلوا قتالكم ، ويمتنعوا عن حربكم ، ويلقوا إليكم بالأمان مع تسليم أنفسهم منقادين ، ويكفوا أيديهم عن القتال ، فقد حل دمهم ، وزالت عصمتهم ، فخذوهم بالنواصي أسرى ،