محمد أبو زهرة

1687

زهرة التفاسير

وكانت عظمة العطاء على ذلك الوجه ليقدم المؤمن على العمل الصالح . وقد بين الله سبحانه وتعالى أن كل ما يكون يوم القيامة من حساب ، أدلته ثابتة من نطق الجوارح بما صنعت ، ومن شهادة الأنبياء بالتبليغ والبيان ، فالجرائم معها دليل وقوعها ، والقانون الذي نظم العقاب وجرمها قائم بشهادة الذين أعلنوه وبينوه ، ولذا قال تعالى : فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً الاستفهام هنا للتنبيه ، وبيان ما سيكون يوم القيامة من حساب يتبعه عقاب عادل ، أو ثواب يتبعه جزاء سابغ وعطاء غير ممنون . والمعنى تنبهوا أي هؤلاء الذين يجحدون الأدلة القائمة ، والرسالات الثابتة ، وتصوروا حالكم ، وأعمالكم تنطق بها ألسنتكم وجوارحكم ، ومعكم النبيون يشهدون عليكم بالتبليغ والبيان ، وأنه لم يكن لكم حجة في كفر ، ولا معذرة في جحود . والشهيد هو الشاهد الناطق بالحق ، المتحرى المستقصى الذي لا يترك حقا لم يبينه . ومعنى قوله تعالى : وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً أنه يؤتى لكل أمة من الأمم بشهيد منها هو نبيها الذي بعث فيها ودعاها إلى الحق ، فمنهم من آمن ومنهم من كفر ، فكل نبي يشهد على قومه بالتبليغ والبيان . وما من أمة إلا كان لها نذير ، فقد قال تعالى : وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ ( 24 ) [ فاطر ] ، وقال تعالى : . . . وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ( 15 ) [ الإسراء ] . وقد اختلف في الإشارة في قوله تعالى : وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً ، فقال بعض المفسرين : إن الإشارة في هؤلاء إلى النبيين السابقين ، فالنبي صلى الله عليه وسلم باعتباره خاتم النبيين ، وأن رسالته خالدة إلى يوم القيامة ، ولتكريم الله تعالى ، يكون شاهدا على كل النبيين السابقين ، والشهادة عليهم بمعنى أداء الشهادة بأنهم بلغوا ، وكانت التعدية بعلى للإشارة إلى معنى المحافظة على أصول الشرائع السابقة لاشتمال القرآن الكريم عليها ، ونشرها خالصة سائغة واضحة بينة للأجيال .