محمد أبو زهرة
1779
زهرة التفاسير
والتعبير عن الخروج بالبروز للإشارة إلى تفاوت ما بين أحوالهم ! وتضارب مظهرهم مع خبيئتهم . ويقول الزمخشري في المعنى اللغوي للتبييت : ( والتبييت إما من البيتوتة ؛ لأنه قضاء الأمر وتدبيره بالليل ، ويقال : « هذا أمر بيت بليل » . وإما من أبيات الشعر ؛ لأن الشاعر يدبرها ، ويسويها ) ، وعندي أن هذا المعنى غريب ، ولكن الأولى هو الأول مضافا إليه معنى التزوير والتحسين ، لأن ( بيت ) تتضمن معنى التزوير والتمويه . والمعنى على أي حال أن هذه الطائفة ، بعد خروجها من عندك ، تدبر أمر مخالفتك ، وتحسن هذه المخالفة وتزينها لنفسها في خفاء ، والله يعلم ما يسرون وما يعلنون ، ولذا قال : وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ والله سبحانه وتعالى يعلم ما يبيتون ، فلم يكن خافيا قبل أن يقع ، ولم يزدد به علما بعد الوقوع ، فهو يعلم ما كان وما يكون إلى يوم الدين . وفي هذه الجملة تهديد لهم وتطمين للنبي صلى الله عليه وسلم ، فإن الله تعالى يبين أن تبييتهم وإخفاء نياتهم لا يخفى على الله ، بل إن علمه به علم ما يكتب وما يسجل عليهم ، ليكون مرئيا لهم في صحائف أعمالهم يوم القيامة ، وليعلم نبيه بتدبيرهم السيئ ونيتهم ، ليتقى شرهم ، ويحفظه من أذاهم ، فإنه هو ناصره وكافله . وإذا كان الله تعالى يكتب عليهم ما يخفونه ، فليس للنبي أن يأبه لهم والله حافظه وكالئه ، ولذلك أمره بألا يلتفت إليهم ، ولا يأخذه هم في شأنهم ، وليعتمد على الله ، وليكل إليه أموره ، ولا يكل أموره إلى غيره ، وإنه إن توكل على الله حق التوكل ، حفظه ، وكفاه شرهم ، ولذا قال سبحانه وتعالى : وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا . والمعنى : يكفيك أن الله تعالى هو الموكل بأمرك ، وهو حافظك وكالئك وحاميك ، ومن كان الله تعالى وكيله والموكل بأموره ، فلن يضيع أبدا . اللهم هيئ للمسلمين أسباب العزة ، ووفقهم للعمل الصالح ، واجعلهم يكلون مآل أمورهم إليك ، إنك نعم المولى ونعم النصير .