محمد أبو زهرة

1179

زهرة التفاسير

إن أمنوا الكفار ومالئوهم على هذا واختاروا ولايتهم دون المؤمنين ، فإنهم لا يأمنون عقاب اللّه ، فعليهم أن يحذروه . ومعنى وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ قال بعض العلماء فيه : إن الكلام على حذف مضاف وهو : عقاب اللّه أو نقمته ، وعندي أنه لا حاجة إلى تقدير مضاف ، بل إن التحذير من ذات اللّه ، والتحذير من ذات اللّه يقتضى الخوف ووقوع الرهبة في النفس من الذات العلية ، كما يقول القائل ولله المثل الأعلى : احذر الأسد ؛ فإنه لا يقدر : صولته ولا شدته ، إنما يريد أن ذاته في كل أحوالها مخوفة مرهوبة . وعبر سبحانه عن التحذير من ذاته العلية بقوله : وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ للإشارة إلى تأكيد معنى المعاندة لله تعالى عند موالاة الكافرين ، فإن كلمة نفس تقال لتأكيد التعبير عن الذات ، كما يقول القائل : خاصمت زيدا نفسه ، وغاضبت عمروا نفسه ؛ وللإشارة إلى أن ما ينزله اللّه تعالى مغيب غير معلن الآن ؛ إذ إن التعبير بالنفس يكون لما يخفى في أطوائها ، كما قال اللّه تعالى عن نبيه عيسى : تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ( 116 ) [ المائدة ] . وهذا التحذير من ذات اللّه تعالى تحذير ممن يكون عقابه أدوم بقاء ، ونقمته أكثر استمرارا ؛ ولذا قال بعد ذلك : وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ أي إليه وحده المآل وانتهاء أمر العباد ، فلا يكون ثمة معقب لما يقول ويفعل ، والمصير إليه حيث تذهب سطوة الكفار الذين يمالئونهم على المؤمنين ويوالونهم دون المؤمنين ؛ فإن كانت للكافرين قوة ظاهرة في الدنيا فهي حال ليست باقية ، والمصير إلى اللّه والعاقبة للمتقين ، وإن كان للكافرين عزة في الأرض فاجرة ، فالعزة الحقيقية لله ولرسوله وللمؤمنين . قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ كان التحذير والتخويف من اللّه سبحانه وتعالى ، وقد أمر سبحانه نبيه بأن يبين لهم مقدار علمه بخفايا نفوسهم ، وعلمه بالكون وما فيه ، فقال سبحانه : قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أي أن علمه سبحانه وتعالى يعم الظاهر والباطن ، وإن كون الأمر ظاهرا أو باطنا