محمد أبو زهرة
1177
زهرة التفاسير
فساد ؛ ولذا قال تعالى : إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ أي إلا تمتنعوا عن الدخول في ولاية غير المسلمين تكن فتنة في الأرض وفساد كبير . هذا ، ويجب التنبيه إلى أن تولى المؤمنين لغيرهم ليس معناه المحبة ، فإن بر المؤمن لغير المؤمن واجب إن تحقق السبب الموجب للبر ؛ فقد قال تعالى : لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 8 ) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 9 ) [ الممتحنة ] . وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً أي من يدخل في ولاية الكافرين ، ويترك ولاية المؤمنين فقد قطع صلته باللّه سبحانه وتعالى قطعا تاما ؛ لأن ولاية المؤمنين هي ولاية اللّه تعالى ؛ وهذا معنى قوله تعالى : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ . وقد أولها بعض العلماء على حذف مضاف ، والمعنى : فليس من ولاية اللّه في شئ ، وبعضهم قال : فليس من الصلة باللّه في شئ ، ولكن لم حذف المقدر ، وجعل النفي عن ذات اللّه مباشرة ؟ والجواب عن ذلك هو الإشارة إلى أن من دخل في ولاية غير المؤمنين تاركا ولاية المؤمنين ، فقد ترك ذات اللّه سبحانه وتعالى وكان مختارا لقوة الكفار دون قوة العزيز الجبار ، فهو يعاند اللّه نفسه ، ويحاد اللّه سبحانه ، واللّه عزيز ذو انتقام ، وهو ذو القوة المتين ، وهو الناصر ، فإن نصر فلا خذلان ، وإن خذل فلا نصر : إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ . . . ( 160 ) [ آل عمران ] . هذا حكم الجماعة الإسلامية أو بعضها في الدخول في ولاية غير المسلمين ، ولكن قد يكون بعض الآحاد في حال ضعف ، وهم مضطرون لأن يعلنوا الموالاة لبعض الكافرين ، فهل يسوغ ذلك ؟ ذكر اللّه حكم هؤلاء في هذا الاستثناء ، فقال سبحانه : إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً أي أن براءة اللّه سبحانه وتعالى من الذين يوالون الكفار ثابتة قائمة إلا في حال الخوف وخشية الضرر المؤكد لبعض المسلمين