محمد أبو زهرة

1680

زهرة التفاسير

الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وإن من صفة هؤلاء المختالين أنهم بخلاء ، ويحرضون الناس على البخل ، ويكتمون ما أعطاهم الله من فضله . والبخل أن يضن الشخص في مواضع الخير ، فليس البخل مرادفا للاستمساك بالمال ؛ إذ إن الإنفاق في الشر والضنّ على الخير يسمى بخلا في لسان الشرع والعقل ، كما أن الإنفاق في سبيل البر مهما يكثر لا يكون إسرافا ، فتبرع أبى بكر بكل ماله في الحرب لا يسمى إسرافا ، ومثل ذلك تبرع عمر رضي الله عنه بالشطر من ماله ، وكذلك تبرع عثمان بالأموال الضخمة للمسلمين ، ولهذا روى عن عبد الله بن عباس : « درهم في الشر إسراف وألف في الخير ليس بإسراف » فلا غرابة إذن إذا وجدنا المختالين ينفقون الألوف في المظاهر والاستعلاء ، ومع ذلك وصفهم الله تعالى بالبخل ، ولا تناقض بين وصفهم بالبخل ، وكونهم مثل الذين ينفقون رئاء الناس ؛ لأن كلا الوصفين ينبع من نفس واحدة ، وهي الشح في الخير . ودأب هؤلاء أن يبخلوا وأن يحرضوا على طريقهم الذي سلكوه ، ويسخروا ممن يؤثرون على أنفسهم ، ولو كان بهم خصاصة ؛ لأنهم في طبيعتهم لا يحسون إلا بأنفسهم ، ولا يؤمنون بحق الغير عليهم . وقوله تعالى : وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ، المراد بها كتمان المال في موضع البر ، فهم أشحة على الخير يحسبونه مفنيا لمالهم ، فيكتمون ما أعطاهم الله من مال بفضله ، وعلى هذا سار بعض المفسرين ، وحجته أن الكلام في المال ، فالكتمان فيه . وقال آخرون : إن المراد كتمان العلم الذي أوتوه بفضل الله عليهم ، وإرسال رسل كثيرين فيهم ، ويكون النص في اليهود لأنهم يتصفون بكل هذا ، ويرشح لذلك قوله تعالى في ختام الآية : وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً وأرى أن يفسر الكتمان تفسيرا عاما يشمل العلم والمال .