محمد أبو زهرة
1677
زهرة التفاسير
إحداهما : من ناحية القرابة ، فهو داخل في ذي القربى ، والثانية : الجوار ، وقد يقول قائل : لما ذا أمر بالإحسان به في الجوار مع أنه مذكور في القرابة ؟ والجواب عن ذلك أن الجوار قد يوجد احتكاكا ، تكون معه الشحناء ، فللحرص على بقاء المودة الواصلة ، نبّه - سبحانه - إلى أن الجوار يوثق الإحسان ولا يباعده ، فهو يجعله أوجب وألزم . وَالْجارِ الْجُنُبِ هو الجار الذي يكون مسكنه أو متجره ، أو مزرعته بجنبك ، والإحسان إليه بألا يكون منه أذى له بأي نوع من أنواع الأذى ، فلا يزعجه في أمنه ، ولا يمنع الماء عنه ، ولا يرسل إليه الماء غير الصالح ، ويلقى عليه مزابل بيته . ثم من الإحسان به مواساته في شدائده ، ومعاونته في حاجاته ، وأن يحفظ سره ، ولا يكشف عورته ، ولا يعلن منه ما يخفى على الناس . ومن الإحسان إليه أن يهدى إليه ما يعجز عن شرائه لأولاده من حلوى وفاكهة ونحو ذلك . وإن الإحسان إلى الجار هو الأمر الذي يدعو إليه التآلف الإسلامي في المجتمعات الصغيرة ، وقد أكثر النبي صلى اللّه عليه وسلم من الحث على الإحسان بالجار « 1 » . وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ هو الصاحب الذي يكون بجنبك في عمل أو سفر ، أو طريق ، أو مركب ، وقد قال جار الله الزمخشري في ذلك : « الصاحب بالجنب هو الذي صحبك بأن حصل بجنبك إما رفيقا في سفر ، وإما شريكا في تعلم علم أو حرفة ، وإما قاعدا إلى جنبك في مجلس أو مسجد ، أو غير ذلك من أدنى صحبة التأمت بينك وبينه . فعليك أن ترعى ذلك الحق ولا تنساه وتجعله ذريعة إلى الإحسان » وإن من الإحسان إلى الصاحب الذي يكون بجنبك ، ألا تؤذيه بمنظر كريه أو ريح كريهة ، وأن تحافظ على الحياء في مجلسك ،
--> ( 1 ) من ذلك ما رواه البخاري : الأدب - الوصية بالجار ( 6041 ) ، ومسلم : البر والصلة - الوصية بالجار ( 2624 ) عن عائشة رضي اللّه عنها ، عن النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « ما زال يوصيني جبريل بالجار حتّى ظننت أنّه سيورّثه » .