محمد أبو زهرة
1662
زهرة التفاسير
وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ التمني تصور ما لا حقيقة له وطلب ما لم تتخذ الأسباب لتحصيله ، ويتضمن معنى الطمع فيما في يد الغير ، والحسد له ، وإن ذلك يؤدى إلى شقاء النفس وفساد الخلق والدين ، وإن الله تعالى فضل بعض الناس بالعقل والذكاء ، وبعضهم بالجاه ، وبعضهم بالقدرة على إدارة شؤون الدولة ، وبعضهم بفضل من المال . والفضل معناه الزيادة لا ترتيب الدرجات ، فقد يكون المفضول أعلى درجة عند الله ممن زاد عليه . ومعنى النص الكريم : لا تتمنوا ولا تطمعوا وتتطلعوا إلى ما زاد الله به بعضكم على بعض في المال أو الجاه أو العمل أو الجهاد ، فإن ذلك يجعلكم في اضطراب وبلبال مستمر وقلق دائم يزعجكم ويزعج المجتمع بكم ، وما كانت الانقلابات الاجتماعية والفتن المخربة إلا بسبب تطلع كل إنسان لما أعطاه الله غيره من فضل ليس عنده ، فذو المال يحسد ذا العقل والتدبير ، والفقير يحسد ذا المال ، وهكذا يكون كل إنسان في انزعاج بسبب تمنيه وتطلعه لما لا يستطيع . وإن الله سبحانه وتعالى قد سهل عمل الخير لكل إنسان ، وله من نتائج عمله الجزاء على قدر العمل ، وإن التكليف على قدر الطاقة وعلى مقتضى التكوين الإلهى للأشخاص والأنواع ، ولذلك قال سبحانه : لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ إن للرجال حظّا مما اكتسبوا من أعمال قاموا بها من جهاد في سبيله ، وإدارة لشؤون المسلمين ، وفصل في الخصومات ، وقيام بالتكليفات العامة ، وللرجال حظ من الأموال بمقدار ما يكلفون من أعمال اجتماعية ، وللنساء نصيب وأجر مما اكتسبن ، فلهن جزاء على آلام الحمل وآلام الوضع ، وآلام التربية والسهر على الطفل والرعاية لشئونه ، والصبر على هذه الرعاية ، ولهن الجزاء الأوفى على القيام على مملكة البيت التي هي راعيتها ، ولهن من المال في الميراث بمقدار ما يكلفن من تكليفات اجتماعية ، فليرض كل من الرجال والنساء بحظهم الذي يتفق مع تكوينهم وكل له جزاؤه في الواجبات العامة لكلا الصنفين ، والواجبات الخاصة بأحدهما ، ولا يتمنّ أحد ما ليس له .