محمد أبو زهرة

1659

زهرة التفاسير

وقد ذيل الله سبحانه وتعالى النص بقوله تعالت كلماته : إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً للإشارة إلى أن الله نهى عن هذه المحرمات وأباح هذه المباحات من التجارة بكل أنواعها رحمة بكم ، فكل شرع الله رحمة ، وكل شرع صادر عن رحمة الله التي هي شأن من شؤونه « 1 » ، كما قال تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ ( 107 ) [ الأنبياء ] . وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً الإشارة هنا إلى الأمرين : أكل أموال الناس بالباطل وما يتضمنه من معاص وطرق للشر مختلفة ، والثاني ما يترتب عليه من قتل نخوة الأمة وتفرق أمرها ، وذهاب وحدتها وتمكن أعدائها منها . والنص تهديد شديد ، والعدوان في أصل اللغة معناه مجاوزة الحد المشروع قصدا ، والظلم وضع الشئ في غير موضعه ، وهما متلاقيان في المعنى ، والجمع بينهما كان ليشمل العذاب كل أحوال الارتكاب ، وليخرج ما كان غير مقصود ، فمن الظلم ما لا يكون مقصودا لمن يتلف مال غيره غير قاصد ، فإنه ظالم ويعوض ما تلف ، ولكن لا يكون له ذلك العذاب الشديد . وقوله : فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وإن إنزال ذلك العذاب الشديد ليس أمرا على الله عسيرا ، ولكنه على الله تعالى يسير سهل ، ولذلك قال : وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً فكل ما في الكون ما غاب منه وما ظهر هو في قبضة يده ، وإن بيان يسر هذا العذاب فيه تهديد أشد ، وفيه بيان لقوة الله تعالى وعظمته في العقاب وفي الثواب معا . إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ بعد أن أنذر سبحانه وتعالى ذلك الإنذار الشديد فتح باب التوبة حتى لا ييئس العباد من رحمته ، ولا

--> ( 1 ) قال ابن جرير الطبري - ج 5 ، ص 20 : « فإنه يعنى أن الله تبارك وتعالى لم يزل رحيما بخلقه ، ومن رحمته بكم كفّ بعضكم عن قتل بعض أيها المؤمنون ، بتحريم دماء بعضكم على بعض إلا بحقها ، وحظر أكل مال بعضكم على بعض بالباطل ، إلا عن تجارة يملك بها عليه برضاه وطيب نفسه ، لولا ذلك هلكتم وأهلك بعضكم بعضا قتلا وسلبا وغصبا » ا ه .