محمد أبو زهرة
1658
زهرة التفاسير
والثاني : تقلب المال بالأسفار ، ونقله إلى الأمصار ، وهذا أليق بأهل المروءة وأعم جدوى ومنفعة » « 1 » . وإن النبي صلى اللّه عليه وسلم قد حث على الاتجار بالنقل من بلد إلى بلد ، ومنع الاحتكار وما يؤدى إليه ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « المحتكر خاطئ والجالب مرزوق » « 2 » . وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً جاء هذا بعد النهى عن أكل أموال الناس بالباطل ؛ لأن المال عند الناس بمنزلة النفس أو قريب منها ، وقد اختلف العلماء في معنى قوله تعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ فقال بعضهم : معناه لا يقتل أحدكم نفسه ، فإن ذلك إثم ، ومن قتل نفسه فقد اعتدى على نفس حرّم الله قتلها ، وهذا تأويل غير متفق مع السياق ، وإن كان ظاهر اللفظ ربما يفيده ، وقال بعضهم : إن المعنى ولا يقتل بعضكم بعضا ؛ فإن قتل واحد منكم للآخر قتل لأنفسكم ، وتحريض على الدماء بينكم ، وقتل نفس كقتل الناس جميعا ، ومن ذلك قوله تعالى : مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ( 32 ) [ المائدة ] وإن السياق على هذا يكون فيه ترقّ في النهى عن الاعتداء ، ابتدأ بمنع الاعتداء على المال ، ثم بمنع الاعتداء على النفس ، فهو انتقال من الكبيرة إلى أكبر منها . وقال بعضهم إن المعنى لا تقتلوا أنفسكم بأكل بعضكم أموال بعض ، وبارتكاب المعاصي ، فإن ذلك مفرق لجماعتكم مفسد لأمركم مذهب لوحدتكم ، وبذلك تقتل الأمم والجماعات ، وقد ارتضى هذا ابن بشير فقال : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أي بارتكاب محارم الله تعالى ومعاصيه ، وأكل أموالكم بينكم . وإن هذا هو الذي نرتضيه ، وهو يتضمن في ثناياه النهى عن القتل بكل ضروبه لأنه داخل في محارم الله .
--> ( 1 ) راجع الجامع لأحكام القرآن : تفسير سورة النساء ( 29 ) . الجزء 5 ، ص 31 . ( 2 ) روى مسلم في صحيحه : المساقاة - تحريم الاحتكار في الأقوات ( 1605 ) أنه كان سعيد بن المسيّب يحدّث أنّ معمرا قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من احتكر فهو خاطئ » . ومعنى الاحتكار : إمساك السلعة وعدم بيعها حتى يرتفع ثمنها .