محمد أبو زهرة

1657

زهرة التفاسير

أن يشترط لنفسه حق الفسخ ، ومن الفقهاء من أباح له الفسخ طول مدة مجلس العقد ، ولو أعلن الرضا ، وذلك كله للاحتياط ، ولكي يكون الرضا على أساس من العلم الصحيح والجزم القاطع ، والبتّ القائم على بينة ومعرفة . وهل التراضي أساس حر للتعاقد من غير قيد يقيده إلا التحريم ؛ بمعنى أن كل ما يشترط ويتعاقد عليه المتعاقدون يكون حلالا ملزما للعاقدين ولو لم يرد به نص خاص ؟ . للفقهاء في ذلك منهاجان مختلفان أحدهما : أن التراضي أساس للإلزام والالتزام ولو لم يرد نص لكل عقد وشرط ما دام لا نص يمنع ، فكل ما يشترطه العاقدان ويتراضيان عليه يكون لازما لا يصح نقضه ، إذا لم يكن نص يحرمه ، ولقد قال في ذلك عمر - رضي الله عنه - : مقاطع الحقوق عند الشروط . وأكثر الحنابلة وبعض المالكية على ذلك المنهاج . والمنهاج الثاني : أنه لا يلزم من الشروط والعقود إلا ما جاء الدليل على وجوب احترامه ، وهذا منهاج الشافعية والحنفية فعندهم لا يلزم الشرط إلا إذا قام الدليل على وجوب الوفاء به . والتجارة باب من أبواب الكسب الطيب وفيها فائدة للناس ، وهي تنقل ما فيه الحاجة الإنسانية من مكان إلى مكان ، وبهذا النقل تتغير قيمة الأشياء ، وزيادة القيمة بهذا النقل تقارب زيادة الأشياء بالزرع ، وزيادة قيم الأشياء بالتحويل الصناعي ، فإن الحديد مثلا إذا تحول إلى آلة زادت قيمته بما زادت الصناعة فيه ، فكذلك بنقل البضائع من مكان إلى مكان تزيد القيمة بهذا النقل . وإن علماء المسلمين كانوا يرحبون بالتجارة التي تنقل البضائع من بلد إلى بلد ومن إقليم إلى إقليم ، ولا يرحبون بالتجارة في البلد الواحد ؛ لأن هذا ليس فيه طلب للأرزاق ، ولأنه قد يؤدى إلى الاحتكار ، وقد جاء في القرطبي : « والبياعات التي تحصل بها الأغراض نوعان : تقلب في الحضر من غير نقلة ولا سفر ، وهذا تربص واحتكار ، قد رغب عنه أولو الأقدار ، وزهد فيه ذوو الأخطار .