محمد أبو زهرة
1656
زهرة التفاسير
والحرص والتنازع على طلبه بحل أو بغير حل ، وهذا شأن من يأخذون الباطل يستمتعون به كما يستمتع الآكل بالطعام . وعبّر بأموالكم للإشارة إلى أن مال آحاد الأمة مال الأمة موزعا بين آحادها بتوزيع الله تعالى الذي قسم الأرزاق ، وأن المال كله في حماية المجتمع ، ولو كان مملوكا ملكا خاصا . وذكر كلمة بَيْنَكُمْ للإشارة إلى أن التبادل بين الآحاد يكون على أساس من الحق ، ولا يكون بالباطل ، والباطل هو الطرق المحرمة لجمع المال كالربا والرشوة والسرقة والغصب والنصب والتزوير والغش والتدليس والاحتكار الآثم ، وغير هذا من الأساليب التي لا تبيحها شريعة ولا يبيحها قانون . إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ الاستثناء هنا منقطع ، والمعنى لكن يباح لكم أخذ المال بالتجارة الناشئة عن تراض ، فلا يحل مال امرئ إلا عن طيب نفس أخيه « 1 » ، كما ورد في بعض الآثار عن النبي صلى اللّه عليه وسلم . وقد يسأل سائل : لما ذا جاء هذا بعد النهى عن أكل مال الناس بالباطل ؟ والجواب عن ذلك أن بعض ما يستباح مما حرمه الله يشبّه بالتجارة ، فالذين يأكلون الربا يشبهون الزيادة بالكسب الذي يجئ من البيع والشراء ، ولذلك حكى الله سبحانه عن المشركين أنهم قالوا : . . . إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا . . . ( 275 ) [ البقرة ] ورد الله قولهم : . . . وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا . . . ( 275 ) [ البقرة ] وبهذا بيّن الله سبحانه وتعالى حل التجارة حتى لا يتوهم أحد أن مكاسب التجارة من أكل أموال الناس بالباطل ، فإنها مال حلال ما دام أساسها التراضي وطيب النفس . والتراضي أساس العقود عامة وأساس المبادلات المالية خاصة ، فلا بيع من غير تراض ولا شراء ولا إجارة ولا شركة ولا غيرها من عقود التجارة ما لم يتحقق الرضا . وقد وسع الفقهاء الباب للرضا ، فأباحوا للعاقد أن يفسخ العقد إذا خفيت العيوب ولم تظهر ؛ لأن الرضا لم يكن على أساس سليم ، وأباحوا للعاقد
--> ( 1 ) « إنّه لا يحلّ مال امرئ إلا بطيب نفس منه » جزء من حديث رواه أحمد ( 20172 ) : أول مسند البصريين عن عم أبى حرة الرقاشي .