محمد أبو زهرة

1652

زهرة التفاسير

وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ هذا النص يفيد إرادة الله سبحانه وتعالى قبول توبة عباده ، وستر ذنوبهم وغفرانها ، وذلك إذا أقلعوا عن هذه الذنوب ، وتابوا إلى الله توبة نصوحا ؛ لأن الله تعالى يريد التوبة من عباده عما أسلفوا من ذنوب ، وقد بين لهم طريق الحق ، والوصول إليه ، وأن الماضي من الذنوب لا يعوق عن الاتجاه إلى الله ولا يكون سببا للقنوط من رحمته ، كما قال تعالى : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 53 ) [ الزمر ] وعلى ذلك تكون إرادة الله تعالى للتوبة عليهم متضمنة بيان الهداية لهم ، ووجوب سلوك طريق الفطرة المستقيمة ، وتسهيل الرجوع إليه سبحانه لتتطهر نفوسهم وتصغى إلى الحق أفئدتهم ، وغفران الذنب إن أحسنوا التوبة وأخلصوا النية ، واعتزموا السير في طريق الحق ، وإنه في الوقت الذي يريد الله للناس الهداية والتوبة - يوجد - من إخوان إبليس من يحرضون على الغواية ، ولذا قال سبحانه : وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً هذه إشارة إلى كمال المباينة بين دعوة الحق التي يدعو إليها الله سبحانه وتعالى ، ويبين سبلها ، ودعوة أولياء الشيطان ، فإن دعوة الله تعالى هي دعوة إلى الفطرة السليمة التي لم تنحرف ، ولم تخرج عن النجد السوى ، ليس فيها تحريم للطيبات ومتع الحياة وليس فيها انطلاق إلى الأهواء والشّهوات والخروج عن سنن الفطرة المستقيمة . وأما دعوة أولياء الشيطان ، فهي دعوة إلى الانحراف ، والميل إلى جانب الشهوة ميلا عظيما ، ينحرف به عن سبيل الإنسانية المهذبة . وهذا الكلام يدل على أن الناس في كل عصر يوجد فيهم داعيتان : أحدهما إلى الحق والاعتدال ، وأولئك يدعون بدعاية الرحمن ، وهداية الأديان لا تحرم ما أحل الله من طيبات ، ولكن بقدر لا اعتداء فيه ولا انحراف ، وآخرون هم داعية الشيطان ، وهؤلاء يكونون بأعمالهم وأقوالهم وأشعارهم في الماضي وصحفهم في الحاضر داعين إلى الانحراف ، وعبر عن هؤلاء سبحانه بقوله : وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أي