محمد أبو زهرة
1651
زهرة التفاسير
وثالثها : معنى سنن الذين من قبلكم : السنة هي الطريقة ، وفي أكثر استعمالها تكون للطريقة المثلى الهادية إلى الحق ، وسنن الذين من قبلكم قيل هي شرائع النبيين ، والذي نراه هو أن السنن هي طرائق الذين سبقوكم من الأمم التي سارت على الفطرة ، فحرمت هذه المحرمات بوصايا الأنبياء السابقين ، وأحكام العقل المستقيم والطبع السليم . وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ قرن سبحانه وتعالى التوبة بعد هذا البيان لسببين : أحدهما - أن يبين أن الله تعالى فاتح باب التوبة دائما ، فمن تاب من الذنوب صغيرة أو كبيرة ، فإن الله يتوب عليه ، ويغفر له ما تقدم من ذنبه إذا كانت توبته نصوحا . وثانيهما - أن الآيات السابقة تتضمن تحريما لأمور كان أهل الجاهلية يستبيحونها ، فقد كانوا يستبيحون نكاح زوجات الآباء ، ويستبيحون الجمع بين المحارم ، ويستبيحون اتخاذ الأخدان ، وهو ما يسمى اتخاذ الخلائل في عصرنا ، وكانوا يثبتون بذلك النسب ، فبين الله حرمة هذا كله ، ولا تزال تطلع على طائفة من الناس يعيشون عيشة أهل الجاهلية في اتخاذ الأخدان ، ويستبيحونها ، وقد ذكر سبحانه وتعالى لهذا أن الله بين الحلال والحرام ، وعلى المرتكب لأي محرم أن يقلع ، وإن الله تعالى يتوب عليه ، والتعبير عن قبول التوبة في كل المواضع يَتُوبَ عَلَيْكُمْ في التعدي ب « على » ؛ للإشارة إلى ما يتضمنه معنى قبول التوبة من ستر للذنوب ، ومنع لكشفها ، فهي غطاء على المعاصي يمنعها من الظهور ، حتى يذهب تأثيرها في النفس ، وقد ختم الله سبحانه وتعالى الآية الكريمة بقوله تعالى : وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ للإشارة إلى أن الله ذا الجلال والإكرام والإنعام المستحق وحده للعبودية مطلع على كل ما يعمل الإنسان من خير وشر ، وهو يعلم الذنوب التي يقع فيها العباد ، وهو الذي يغفرها عند التوبة ، وإنه سبحانه وتعالى حكيم يضع الأمور في مواضعها ، فيغفر ويقبل التوبة من عباده إذا أخلصوا النية ، واعتزموا الخير وأقلعوا عن الشر . وقد بين سبحانه محبته للتوبة فقال :