محمد أبو زهرة
1647
زهرة التفاسير
الجريمة علت معها العقوبة ، وإذا نقصت نقصت معها العقوبة ، وهذا دليل على عدل الشريعة ، وعلو الأحكام الإسلامية عن القانون الروماني وغيره من قوانين أهل الدنيا ، ففي القانون الروماني كان العبد إذا زنا بحرة قتل ، وإذا زنا الشريف حكم عليه بغرامة ، فكان هذا ظلما ، ولكن الإسلام قال إن عقوبة العبد على النصف من عقوبة الحر ، فإذا زنا الحر الشريف جلد مائة أو رجم ، وإذا زنا العبد عوقب بخمسين جلدة « 1 » . وإن الزواج من الإماء هو عند خشية العنت والمشقة ، ولذلك قال سبحانه : ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ العنت المشقة الشديدة التي يخشى منها التلف أو الوقوع في الزنا ، والإشارة في قوله تعالى : ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ للزواج من الإماء المنوه عنه بقوله تعالى : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ و ( خشي ) معناها خاف من أمر متوقع هو قريب من الواقع ، فالرق بين الخوف والخشية أن الخشية تكون من أمر متوقع قريب الوقوع أو واقع بالفعل ، فكان زواج الإماء لا يباح إلا للضرورة أو للحاجة الشديدة ، ومع ذلك فالصبر أولى ، ولذا قال : وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ فتحملوا مشقة الحرمان أولى من زواج الإماء ؛ لأن الولد يكون رقيقا ، وفي ذلك تكثير للرق ، ولأنه لا يمكنه أن يقوم على تربيته وشؤونه ، ولأنها لا يتكون منها مع بقائها على رقها بيت زوجية صالحة ؛ إذ ستكون مطالبة بخدمة وليها ، فالحياة
--> ( 1 ) قال الآلوسي : فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ أي فإن فعلن فاحشة وهي الزنا وثبت ذلك . فَعَلَيْهِنَّ أي فثابت عليهن شرعا نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ أي الحرائر الأبكار مِنَ الْعَذابِ أي الحد الذي هو جلد مائة ، فنصفه خمسون ولا رجم عليهن لأنه لا يتنصف . وقال ابن كثير : وقوله : نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ يدل على أن المراد من العذاب الذي يمكن تنصيفه وهو الجلد لا الرجم ، والله أعلم . وقال الثعالبي : و الْمُحْصَناتِ في هذه الآية : الحرائر ؛ إذ هي الصفة المشروطة في الحدّ الكامل ، والرّجم لا يتنصّف ، فلم يرد في الآية بإجماع .