محمد أبو زهرة

1644

زهرة التفاسير

وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ المحصنات الحرائر ، والفتيات الإماء ، فإن الإسلام لا يعبر عن العبد إذا أضيف إلى مولاه بالعبد ، بل يعبر عنه بالفتى ، وهذا من أدب الإسلام وتكريم الإنسان ، ولذا ورد في الحديث الصحيح : « لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي ولكن ليقل فتاي وفتاتى » « 1 » . كما نهى النبىّ العبد عن أن يقول : سيدي وسيدتي ، بل يقول : مولاي ومولاتي . والطول : القدرة والسعة في المال والجسم ، ومعنى ملك اليمين ، أن تكون في ملكه ، وعبر باليمين لإفادة السلطان ، فإن يمين الرجل مظهر قوته ، وبها يكون الصّفق في البياعات ، فأضيف الملك إليها لأنها سببه . والآية بمضمونها أفادت أنه لا يحل الزواج من الإماء إلا إذا لم يكن في طوله أن يتزوج حرة . وقد اختلف الفقهاء في حدود الطول والقدرة ، فقال أبو حنيفة : الطول أن يكون متزوجا حرة ، فمن كان عنده حرة لا يجوز أن يتزوج أمة ، وإن عقد كان عقده باطلا . وقال مالك : الطول السعة والقدرة على المهر والنفقة ، فمن عجز عن مهر الحرة ونفقتها وهو قادر على الزواج من أمة فإنه يجوز له زواج الأمة ، ولو كانت عنده حرة . وقال الشافعي ، وهو قول عند مالك : إنه يجوز له زواج الأمة بشرطين ، أحدهما : عدم القدرة على زواج الحرة ، والثاني : أن يخشى العنت أي المشقة الشديدة إن لم يتزوجها . وفسر بعض العلماء عدم الطول بأن يتعلق بها وتهواها نفسه ، بحيث يخشى على نفسه أن يقع معها في زنا إن لم يتزوجها . واشترط الشافعي ومالك وأحمد لإباحة زواج الأمة أن تكون مؤمنة كنص الآية ، وأبو حنيفة أباح الزواج من الأمة الكتابية إن لم يكن عنده حرة . وشدد الإسلام في إباحة الزواج من الإماء لحمل المالكين على عتقهن ، فمن رغب في أمة فليشترها ، وليعتقها ثم يتزوجها ؛ ولأن الولد يتبع أمه في الرق ، فلمنع كثرة الرقيق

--> ( 1 ) متفق عليه ، رواه البخاري : العتق - كراهية التطاول على العبيد ( 2552 ) ، ومسلم : الألفاظ من الأدب وغيرها ( 2249 ) عن أبي هريرة رضي اللّه عنه يحدّث عن النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم أنّه قال : « لا يقل أحدكم أطعم ربّك وضّئ ربّك اسق ربّك وليقل سيّدى مولاي ، ولا يقل أحدكم عبدي أمتي وليقل فتاي وفتاتى وغلامي » .