محمد أبو زهرة
1640
زهرة التفاسير
فإذا كان الجمع بين الأختين حراما ، فأولى بالتحريم الجمع بين البنت ومن هي بمنزلة أمها ، وقد انعقد الإجماع على ذلك . أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ هذا بيان ضرورة المهر لشرف المحل ، ولإعزاز المرأة وتكريمها ، ولتستعين به فيما تتأهل به للزواج ، ومعنى النص الكريم أن الإحلال يقتضى أن تبتغوا ، أي أن تطلبوا الزواج أشد الطلب ، وأن ترغبوا فيه أشد الرغبة ، متقدمين في ذلك بأموالكم ، فإن المال يكون دليل الرغبة . ثم أشار سبحانه إلى فرق ما بين الزواج والفاحشة ، فقال : مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ أي ابتغوا الزواج واطلبوه حالة أنكم تحصّنون به أنفسكم ، ونطفكم ، وتحفظون به أولادكم ، فمعنى الإحصان هنا الإعفاف ، وما يتضمنه من حفظ النطف والولد . وجعل في مقابل الذين يحصنون أنفسهم ونطفهم الذين يسافحون ، والسفاح من سفح الماء أو الدم أساله ، ومنه قوله تعالى : أَوْ دَماً مَسْفُوحاً . . . ( 145 ) [ الأنعام ] ، والزاني يسفح النطفة ويلقيها ويسيلها على تراب الرذيلة . فالسفاح على هذا إلقاء للنطفة الإنسانية ، وهي الجوهر المادي للإنسان ، والزواج تحصين لهذه النطفة ، ووضع لها في حرثها الذي أعده الله تعالى لها . فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً الاستمتاع الاستيلاء على ما فيه متعة وخير ومتاع ، وقد كان الرجل في الجاهلية يتزوج المرأة ، ويستمتع بها ، ثم يتركها خالية الوفاض « 1 » ، فذكر الله تعالى ضرورة إعطاء المهور التي فرضت وقدرت وقت العقد ، وقد سماها الله تعالى هنا أجرا ، والأجر هو الجزاء على ما قدم الإنسان من عمل ، وقد يطلق على معنى العطاء ، كما هو ظاهر قوله تعالى : فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ( 6 ) [ التين ] ؛ لأن اقتران كلمة الأجر بعدم المنّ يرشح لأن يكون المراد بها العطاء ، إذ هو الذي يجرى فيه المنّ والأذى ، وعلى أي حال فإن الظاهر في كلمة الأجر هنا هو الجزاء ، وقد يقال : لما ذا عبر هنا بالأجر ، وفي
--> ( 1 ) أصل الوفاض الجلدة التي توضع تحت الرحى [ لسان العرب - وفض ] . فخلوّها إذن كناية عن الفقر .