محمد أبو زهرة

1167

زهرة التفاسير

ملكه ؛ إذ يقول : وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ ( 51 ) [ الزخرف ] . ثم أشار سبحانه إلى طغيان أهل الكتاب ، واختلافهم على النبيين ، وقتلهم بعض الأنبياء ، وقتلهم الذين يأمرون بالقسط من الناس ، وما كان ذلك الإعراض عن الحق بعد أن تبين لهم إلا لأن حب السلطان والغلب قد استولى عليهم واستغرق نفوسهم ، ولذلك كانوا إذا حاجّهم النبي صلى اللّه عليه وسلم أو حاجّوه نظروا في محاجتهم إلى الأمر من وراء ذلك الغرض ، وتلك الشهوة ؛ وقد أمر اللّه سبحانه نبيه بأن يقابل هواهم بإعلان إخلاصه في طلب الحق ، وإسلامه وجهه للّه سبحانه ! وفي هذه الآية : قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ إشارة إلى أن الإخلاص للذات العلية ، وطلب الحق إرضاء للّه ، لا لأحد سواه ، فيه اتجاه إلى مالك الملك الذي يؤتى الملك من يشاء ، فالإخلاص للحق جل جلاله ، يؤدى إلى السلطان الحق من مالك الملك . قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ الأمر للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولكل قارئ للقرآن الكريم مؤمن باللّه مذعن للحق ، أن يضرع إلى اللّه تعالى ناطقا بهذه الحقيقة ؛ فإنها الحق في هذا الوجود ، ولا يعرف مؤمن سواها ؛ والمعنى في هذا الدعاء الكريم الضراعة إلى اللّه تعالى ونداؤه بأنه مالك السلطان المطلق في هذا الوجود ، فليس فقط صاحب السلطان ، بل إنه يملك ذات السلطان ، يؤتيه ويعطيه من يشاء ، وينزعه ممن يشاء ؛ أي يسلبه ممن يشاء ممن يكون السلطان في يده . والملك هنا هو السلطان ، وفسره بعضهم بالنبوة ، وعبر عن النبوة بالملك عند هؤلاء باعتبار أن الملك الحق لازم من لوازمها ؛ ولذا قال سبحانه : أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ( 54 ) [ النساء ] والظاهر أن المراد هو السلطان . وقوله تعالى : ( اللّهم ) نداء إلى الذات العلية بلفظ الجلالة ، والميم المشددة في الآخر قائمة مقام حرف النداء على ما قال الخليل وسيبويه . وقال بعض الكوفيين : إن الميم المشددة هي « أمّ » بمعنى قصد ، أي أقصدك يا مولاي بضراعتى ، وأنت صاحب السلطان .