محمد أبو زهرة

1615

زهرة التفاسير

ومن هم أولئك الذين لا توجد منهم التوبة ، حتى لا يتصور قبولها ؟ ذكر الله فريقين : فريق العصاة من المسلمين ، وفريق الذين يموتون وهم كفار ، أما فريق العصاة من المسلمين فقد ذكر لهم وصفين أو أمرين : أحدهما - أنهم يعملون السيئات ، أي تتعدد أنواع السوء ، وتكثر وتشيع في النفوس ، حتى يربدّ القلب بها ويسودّ ، وهم الذين قال الله تعالى في أمثالهم : بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 81 ) [ البقرة ] فالفرق بين هؤلاء ومن سبقوا أن الأولين ارتكبوا في غفوة من الضمير ، ولم يمت . وأما هؤلاء فقد مات وجدانهم الديني ، كأولئك الذين نراهم سادرين في الفساد وقد استهانوا بكل المحرمات الدينية والتكليفات الربانية . والوصف الثاني أنهم لا ينطقون بالتوبة في وقت الاختيار ، بل ينطقون بها في وقت الاضطرار ؛ ولذا قال سبحانه : حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ . أي أنهم يستمرون في غيهم يعمهون ، لا يستيقظ لهم ضمير ، ولا يقلعون عن معصية ، حتى إذا أزفت الآزفة ، وحضر الموت ، ولم يكن مناص من أخذهم ، قال قائلهم : إني تبت الآن ، ولم يقل سبحانه عن حالهم إنهم تابوا ، بل حكى قول أحد : إِنِّي تُبْتُ الْآنَ مما يدل على أنهم لم تقع منه توبة قط ، وقوله لا يعد توبة في حقيقته ، وإن سماه هو توبة . وقد ذكر سبحانه من عصاة المسلمين فريقين : أحدهما : الفريق الذي يتوب من قريب وقد ارتكب السوء بجهالة ، وقد وعد سبحانه بأنه يقبل التوبة منه ، وتفضل سبحانه فجعل القبول حقا عليه ، وهو فوق عباده . والفريق الثاني : أولئك الذين استمروا في غيهم حتى أدركهم الموت . وبقي ثالث لم يذكره سبحانه ، وهو الذي لم يتب من قريب ، ولكنه تاب قبل أن يحضره الموت ، فما شأن هذا الفريق الثالث ؟ قال مفسرو السلف إنه يعدّ قد تاب من قريب ، وإن تأخر في الزمان بالنسبة لأجله ، ما دام قد تاب قبل أن يحضره