محمد أبو زهرة
1614
زهرة التفاسير
بجهالة . وثالثها : أنهم يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ، بحيث لا يسترسل في الشر استرسالا ، ويستمرئه ويكرره ويستمر عليه ، وهؤلاء ممن قال الله تعالى فيهم : وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 135 ) [ آل عمران ] . وذلك لأن من يفعل الذنب على ذلك النحو لا يستغرق قلبه ، وقد ورد في الأثر « إن المذنب إذا أذنب نكتت نكتة سوداء في قلبه ، ثم تتوالى النّكت السوداء حتى يربدّ قلبه » ، ومن يعمل السوء بجهالة ثم يتوب من قريب ليس كذلك ، وقد أكد الله قبول التوبة فقال : فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً . أي هؤلاء الذين ارتكبوا عن جهالة بعض الذنوب ، ولم تربدّ قلوبهم بتكرار الذنوب وتعددها واستمرائها والاستمرار عليها ، يتوب الله عليهم أي يقبل توبتهم ، ويأخذ بأيديهم إلى الهداية ويطهر نفوسهم من أرجاس الذنوب ، وهذا ما تضمنه النص السامي يَتُوبُ اللَّهُ أي يسبغ التوبة عليهم ، وهي تتضمن معنى الاهتداء والاتجاه إليه سبحانه ، وإسباغ التوبة عليهم هو إلقاء الطهر عليهم فتتطهر نفوسهم ، وقد بين سبحانه أن ذلك مقتضى علمه وحكمته ، فقال : وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً أي أن الله تعالى يعلم النفوس وحركاتها وخلجاتها وسكناتها وميولها وانحرافاتها ، ويعلم ما يطهرها ، وما يركسها ، وما يهديها وما يغويها ، وهو بحكمته يعالج أدواءها . وقبول التوبة أبلغ علاج ، والصفح في أكثر أحواله دواء للأسقام التي تعرض للنفوس ، ولم تستقر فيها استقرارا . وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ بعد أن بين سبحانه الذين أخذ العهد أن يقبل توبتهم ، وهم الذين قد كانت حالهم ما ذكره سبحانه ، بين حال الذين لا تقبل توبتهم ، فقال تعالت كلماته : وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ هنا نفى لوقوع التوبة ؛ لأن حقيقة التوبة كما بينا تقتضى أن يكون العبد في فسحة من الوقت تمكنه من معاودة الخير ، فمن يقول عند حضور الموت : إِنِّي تُبْتُ الْآنَ ليس بتائب . وإذا لم تتحقق منه التوبة فإنه لا يستحق من الله تعالى القبول ؛ إذ لا موضوع له .