محمد أبو زهرة
1607
زهرة التفاسير
الأمر الثاني : أنه ذكر عند ميراث أولاد الأم التحريض على الأداء ، فقال تعالى : غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ فكان التحريض مرتين ، مرة بمنع المضارة ، ومرة أخرى بتأكيد أن هذه وصية الله ، فمن خالفها فقد تمرد على وصية الله العليم الحليم الذي يعلم كل شئ وإن لم ينزل العقاب فور الجريمة . وكان ذلك في أولاد الأم ؛ لأن حقوقهم مظنة الضياع والإهمال ، ولا يزال الناس إلى الآن يكادون يهملون نصيب أولاد الأم ، وإذا ذكروا به ، كان ذلك بمنزلة التذكير بأمر غريب ، فكان التأكيد لهذا . وقد كانت أحكام المواريث مظنة التلاعب في الماضي ، ولا تزال حقوق النساء فيها موضع التلاعب إلى اليوم ، ولذلك أكد الله سبحانه حق الميراث بقوله : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ أي أن الميراث حدّ رسمه الله تعالى ، فمن أطاع الله تعالى فقد فاز فوزا عظيما . وإن ذكر الجنات في هذا المقام له موضعه ؛ لأن هذا الذي يترك التوزيع لله تعالى ، ويتغلب على هوى نفسه فيمن يحب أو يكره يجزيه الله تعالى جنات تجرى من تحتها الأنهار ، وهذا الجزاء هو الفوز العظيم ؛ لأن فيه النجاة وفيه النعيم ، فمن فعله فقد نال الحسنيين ، فإذا كان قد تغلب على منازع الدنيا ، فقد نال نعيم الآخرة ، ومن ينظر إلى مآل ماله عليه أن ينظر قبل كل شئ إلى مآل شخصه . وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ هذا جزاء من يخالف حكم الله وخصوصا في الميراث ، فهو عاص لله سبحانه ، وقد تعدى ما رسمه الله من حدود في ماله . وإن جزاءه أن يدخل النار ويخلد فيها ، وله عذاب مهين أبلغ إهانة في الآخرة ، فهو قد باع آخرته بدنيا غيره ، وإذا كان أراد السعادة الدنيوية لغيره بهذا المال فقد نال الشقاء الأخروى بعمله ، وإذا كان قد أراد إعزاز بعض من يحب فقد أهان نفسه ، والله هو الذي يبين الحق ، ويهدى إلى الرشد ، كما قال تعالى : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ .