محمد أبو زهرة

1591

زهرة التفاسير

وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً الابتلاء معناه اختبار حال اليتيم من حيث قدرته على التصرف في ماله ، ويمرّن على ذلك قبيل البلوغ ، حتى لا يجئ وقت إلا وقد صار في قدرة على إدارتها ، وقد قال القرطبي في بيان اختباره : « لا بأس أن يدفع إليه شيئا من ماله يبيح له التصرف فيه ، فإن نماه وحسن النظر فيه فقد وقع الاختبار ، ووجب على الوصي تسليم جميع ماله إليه ( أي بعد بلوغه ) وإن أساء النظر فيه وجب عليه إمساك المال عنده » . . . وقال جماعة من الفقهاء : الصغير لا يخلو أن يكون غلاما أو جارية ، فإن كان غلاما ردّ النظر إليه في نفقة الدار شهرا ، وأعطاه شيئا نزرا ليتصرف فيه ، ليعرف كيف تدبيره وتصرفه ، وهو مع ذلك يراعيه لئلا يتلفه ، فإذا رآه متوخيا سلم إليه ماله عند البلوغ وأشهد عليه ، وإن كان جارية رد عليها ما يرد إلى ربة البيت من تدبير بيتها والنظر فيه في الاستغزال والاستقصاء على الغزالات في دفع القطن وأجرته ، واستيفاء الغزل وجودته ، فإن رآها رشيدة سلم إليها مالها وأشهد عليها وإلا بقيا تحت الحجر . وإن نهاية اليتيم ببلوغ النكاح ، أي بوجود المظاهر التي تدل على الرجولة في الغلام ، والتي تدل على مبلغ بلوغ النساء في الفتاة ، وإن أقصى مدة البلوغ ذلك المبلغ اختلف الفقهاء فيها ، فالجمهور على أن البلوغ بالسن وهو أقصى غاية : لظهور أمارات النكاح ببلوغ خمس عشرة ، وأبو حنيفة على أنه سبع عشرة بالنسبة للفتاة وثماني عشرة سنة بالنسبة للصبي . . . وقوله تعالى : بَلَغُوا النِّكاحَ كناية واضحة عن ظهور أمارات الرجولة الكاملة ، وأمارات الأنوثة ؛ لأن الاستعداد للزواج هو كذلك ، و « حتى » هنا للغاية ، وهي داخلة على الجملة ، فهي تبين نهاية الصغر ، والجملة التي دخلت عليها ظرفية في معنى الشرط . ولا يدفع المال بمجرد البلوغ ، بل لا بد من الرشد ، ولذلك قال تعالى : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا آنس معناها أبصر ، ولذلك قال تعالى : . . . آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً