محمد أبو زهرة
1588
زهرة التفاسير
امرأة أعطت ثم أرادت أن ترجع فلها ذلك » . وروى أن رجلا أبرأته امرأته من مهرها ، ثم طلقها فرجعت « 1 » فاحتكما إلى عبد الملك بن مروان فحكم لها ، وقال شريح في مثل هذه الحال : لو طابت نفسها ما رجعت ، وكان الأوزاعي لا يجيز هبة المهر إلا بعد أن تنجب منه ، أو تمضى سنة على زفافها - والنص يشير إلى أنه يحسن ألا تترك له كل المهر ، ولذا قال تعالى : فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ ومن للتبعيض أي عن بعضه ، ويظهر أن هذا لتأكيد طيب نفسها ، ويجوز الإبراء منه كله . وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً السفهاء جمع سفيه ، والسفه اضطراب في الرأي والفكر ، وأصله من اضطراب المحسوسات . ويقول الراغب الأصفهاني في مفرداته : « السفه صفة في البدن ، ومنه قيل زمان سفيه كثير الاضطراب ، وثوب سفيه ردئ النسج ، واستعمل السفه في صفة النفس لنقصان العقل في الأمور الدنيوية » . والسفهاء هنا هم الذين لا يحسنون تدبير الأموال إما لصغر سنهم ، وإما لنقص عقولهم ، وإما لسوء تدبيرهم وتبذيرهم ، والقيام هنا هو الولاية المالية والسلطان ، وعبر عن الولاية بالقيام ، لأن القيام هو العماد والسناد في اللغة ، والولاية المالية المقصود منها أن تكون عمادا وسندا للقاصر المولى عليه ، وعلى هذا التفسير يكون معنى السفهاء شاملا لكل العاجزين عن تدبير المال أيا كان سبب العجز . ويكون معنى النص الكريم : لا تعطوا المال للّذين لا يحسنون القيام عليه لصغر أو نقص عقل ، أو فساد رأى ثابت ، والمراد مال هؤلاء ، ولكن أضيف المال إلى الأولياء ليحثهم على حفظه وصيانته كأنه مالهم ، وقد يكون الخطاب لجميع الأمة بالدعوة إلى المحافظة على أموال العاجزين ؛ لأنه من حال الأمة المتضافرة المتعاونة المتكافلة ، ورجح الزمخشري أنه خطاب للأولياء ، وقال في ذلك : « والخطاب للأولياء وأضاف الأموال إليهم ؛ لأنها من جنس ما يقيم به الناس
--> ( 1 ) أي رجعت فيما أبرأت من مهرها .