محمد أبو زهرة
1586
زهرة التفاسير
ومع أن التعدد مقيد بالعدالة والقدرة على الإنفاق ، وهي تدخل في العدالة ، لا يعتبر العقد فاسدا إذا لم يتوافر هذان الشرطان ولم يحدث أن قاضيا أو حاكما اشترط لصحة العقد أو نفاذه ذلك الشرط ، والإجماع على أنه لا أثر لفقد الشرطين في العقد ، وكل كلام غير ذلك هو بدعة لم تكن عند السلف ، وإنما لم يفسد العقد لأن الفساد يكون بأسباب واقعة ، لا بأسباب متوقعة ، والعدالة والإنفاق أمران مقدران في المستقبل ، فقد يتوب من الظلم ، وربما يجعل الله من عسره يسرا ، ولأن الظلم أمر نفسي ، والفساد والبطلان لا يكونان لأمور نفسية خفية لا يجرى عليها الإثبات . وإذا سوغ بعض الناس للقاضي ألا يأذن إلا إذا تأكدت العدالة والقدرة على الإنفاق ، فقد جعل للقاضي ما لا سبيل إلى التأكد منه ، ثم إن العدالة والقدرة على الإنفاق لا زمان في الزواج « 1 » لزومهما في الزواج الثاني والثالث ، فلما ذا يسوغان ذلك للقاضي عند التعدد فقط ؟ ! إن ذلك معاندة لشرع الله تعالى الذي أباح التعدد . والتعدد لا بد منه عند استحكام الشهوات ؛ لأنه إن لم يعدد اتجه إلى الحرام ، والحلال على أية صورة خير من الحرام ، واتخاذ الحلائل خير من اتخاذ الخلائل ، والتعدد قد يكون علاجا اجتماعيا ، عندما تأكل الحرب شباب أمة من الأمم ويكون عدد النساء الصالحات للزواج أكثر من الشباب بأضعاف مضاعفة ، ولا سبيل لإكثار النسل إلا بالتعدد ، وهو في هذه الحال منع للمرأة من الابتذال ووقوعها في البغاء ، وإن التعدد في هذه الحال خير للمرأة بلا ريب ، فليس التعدد شرا على المرأة في مجموع عددها ، وقد تكون الزوجة في حال تستوجب أن يتزوج الزوج بأخرى لمرضها أو يطلقها ، والخير لها حينئذ في بقاء الزوجية . ذلك شرع الله . وقد منع الأوربيون التعدد الشرعي ، ففتح الناس باب التعدد الحرام ، وفسدت الأسرة هنالك وانحلت ، والأسرة الإسلامية ما زالت أقوى الأسر استمساكا ، ولا تزال كذلك ما استمرت مستمسكة بدينها ، معرضة عن الدعوات التي تريد إبعادها عنه .
--> ( 1 ) أي في الزواج الأول ، وبعبارة أخرى : في الزواج بواحدة .