محمد أبو زهرة
1585
زهرة التفاسير
تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ . . . ( 129 ) [ النساء ] فقالوا إن العدل المطلوب هو العدل الظاهر والمساواة في المعاملة والعدل المنفى المساواة في المحبة القلبية . وإنه واضح أنه إذا لم يستطع العدل الظاهري وجب الاقتصار على واحدة ، وإن لم يستطع العدل معها اكتفى بالدخول بملك اليمين ، أي بالدخول بالجارية التي يملكها ، وقد زال الرق ، فزالت معه تلك الرخصة ، فمن لم يستطع العدالة مع زوجه عليه أن يروض نفسه بالصوم ، أو يروض نفسه على العدالة . وقد قيد التعدد بقيد ثان ، وهو القدرة على الإنفاق على النسوة اللائي يتزوجهن ، وعلى من سيرزقهم الله منهن ، وقد أشار القرآن إلى وجوب مراعاة ذلك ، فقد قال تعالى : ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا أي إن هذا التقييد بهذا العدد المحدود ، مع قيد العدالة ، ومنها القدرة على الإنفاق ، أقرب إلى ألا تعولوا ، وعال يعول معناها مال ، ومنه عال الميزان أي مال ، وفسرها بعض العلماء بمعنى ذلك أدنى ألا تجوروا ، وروى ذلك التفسير عن عائشة - رضي الله عنها ، ولكن فسرها الإمام الشافعي بألا يكثر عيالكم ، وهذا التفسير يؤدى إلى معنى جديد ، لم يفهم مما سبق ، وقد رجح ذلك الزمخشري بقوله : « والذي يحكى عن الشافعي أنه فسر ألّا تعولوا : ألّا تكثر عيالكم فوجهه أن يجعل من قولك عال الرجل عياله يعولهم ، كقولهم مانهم يمونهم إذا أنفق عليهم ، لأن من كثر عياله لزمه أن يعولهم ، وفي ذلك ما يصعب المحافظة على حدود الورع وكسب الحلال والرزق الطيب ، وكلام مثله من أعلام العلم وأئمة الشرع ورؤوس المجتهدين حقيق بالحمل على الصحة والسداد ، وألا يظن به تحريف تعيلوا إلى تعولوا ، فقد روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : « لا تظن بكلمة خرجت من فىّ أخيك سوءا وأنت تجد له محملا » ، وكفى بكتابنا « شافى العى ، من كلام الشافعي » شاهدا بأنه أعلى كعبا ، وأطول باعا في علم كلام العرب من أن يخفى عليه مثل هذا ، ولكن للعلماء طرقا وأساليب ، فسلك الشافعي في هذه الكلمة طريق الكنايات » .