محمد أبو زهرة

1584

زهرة التفاسير

العدالة شرط في كل زواج ولو كان ذا زوجة واحدة ، فمن كان غير قادر على العدالة أو على الإنفاق لا يحل له أن يتزوج ، والزواج مطلوب من القادر على العدالة والإنفاق ، ولذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة ( أي تكاليف الزواج من نفقة وغيرها ) فليتزوج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء » « 1 » أي إنه قاطع شهواته بالسيطرة عليها ، وإذا كانت العدالة مطلوبة في الزواج الواحد ، فهي ألزم في تعدد الزوجات ، ومعناها يتسع ، فتكون العدالة مع كل واحدة بحيث لا يظلمها في ذاتها ، ويجب عليه أن يساويها مع غيرها ، والعدل المطلوب هو العدل الظاهر بالتسوية بينهن في المطعم والملبس والمسكن والبيت ، فلا يبيت عند واحدة أكثر من غيرها إلا بإذنها ، أما العدل الباطن بمعنى التسوية في المحبة القلبية ، فهي غير ممكنة وغير مطلوبة ، وقد جاء في أحكام القرآن للجصاص : « أمر الله تعالى بالاقتصار على واحدة إذا خاف الجور ومجانبة العدل . إنها إباحة للاثنتين إذا شاء ، وللثلاث إن شاء ، وللأربع إن شاء ، فإن خاف ألا يعدل اقتصر من الأربع على ثلاث ، فإن خاف ألا يعدل اقتصر على اثنتين ، فإن خاف ألا يعدل اقتصر على واحدة . . . والعدل المطلوب هو العدل الظاهر ، وهو القسم بين الزوجين ، والمساواة في الإنفاق ، والمساواة في المعاملة الظاهرة ، وليس هو العدل في المحبة الباطنة فإن ذلك لا يستطيعه أحد ، ولا يكلف الله إلا ما يكون في الوسع ، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم لا يسوى بين أزواجه في المحبة القلبية ؛ ولذلك كان يقول عند قسمه بين أزواجه : « اللهم إن هذا قسمي فيما أملك ، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك » « 2 » . وقد وفق العلماء بين هذه الآية التي تطالب بالعدل ، وبين الآية التي تنفى إمكانه ، وهو قوله تعالى : وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا

--> ( 1 ) رواه البخاري : النكاح - من لم يستطع الباءة فليصم ( 5066 ) . ( 2 ) روى أبو داود : النكاح - القسم بين الزوجات ( 2134 ) عن عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل ويقول : « اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك » قال أبو داود : يعنى القلب .