محمد أبو زهرة

1581

زهرة التفاسير

بين الله سبحانه وتعالى في الآية السابقة حق اليتيم من العطف والرعاية ومضار إهماله وعدم إصلاحه والعمل على إذلاله ، وفي هذه الآيات يبين حق النساء ، والأمر فيهن يتلاقى مع أمر اليتيم ؛ لأنهن ضعاف « 1 » ، فهن في حاجة إلى رعاية وإصلاح وعطف ، ومعاملة عادلة لا شطط فيها ولا جور ، ولذا قال تعالى : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ . . . ( 3 ) [ المائدة ] . معنى الإقساط العدل ، ومن ذلك قوله تعالى : . . . إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( 42 ) [ المائدة ] وقوله تعالى : وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ أي تقيموا العدل بيسر ليصل إليهم من غير مجهود ، فمن النقص في العدل ألا يصل العدل إلى صاحبه إلا بمشقة وجهد . ومعنى « خِفْتُمْ » : ظننتم ، ومعنى « ما طابَ لَكُمْ » : ما حل . وقد تفسر بمعنى ما تستحسنونه من النساء لدين وخلق ونسب وجمال أو لواحد من هذا ، و « ما » هنا في موضع العاقل ، وعبر ب « ما » ، وهي في أصل وضعها لغير العاقل ، إما لأنه أريد الصفات ؛ لأن طاب تدل على أن الوصف أساس الاختيار ، وإما لأن جماعة الإناث تعامل في نسق القول معاملة غير العاقلين كما قرر الزمخشري ، وإما لأنه عند التعميم يستعمل ( ما ) في موضع ( من ) ، و ( من ) في موضع ( ما ) كقوله تعالى : . . . فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ . . . ( 45 ) [ النور ] وذلك هو الذي نختاره . والنكاح هنا معناه العقد ، وكلمة النكاح في القرآن الكريم لم تستعمل إلا في موضع العقد ، لا الوطء . وهنا شرط وجواب ، والشرط هو وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى والجواب هو فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ ، وقد تكلم

--> ( 1 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أنه كان يقول على المنبر : « أحرّج مال الضّعيفين : اليتيم والمرأة » . رواه الحاكم في المستدرك ( 7245 ) : ج 4 ، ص 143 ، وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه .