محمد أبو زهرة
1579
زهرة التفاسير
مستفيضة قد تضافرت كلها على وجوب إكرامه ومنع قهره وإذلاله ، ذلك أن اليتيم يحتاج إلى إصلاح وعطف ومحبة تعوضه عما فقد من رعاية ، وإن العواطف الإنسانية تنمو في الطفل وهو صغير بالمجاوبة النفسية بينه وبين من يحيطون به . فإذا انقطعت تلك العاطفة في الصغر نفر ونظر إلى الجماعة كلها نظرة العدو إلى عدوّه ، فيكون من هؤلاء الذين فقدوا عطف الأبوة ولم يكن ما يعوضها - الشذاذ وقطاع الطرق ، وبعبارة عامة من ليس عندهم ضمائر ، ولا نفوس لوّامة . وقوله تعالى : وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ فيه أمر واضح بالرعاية من ناحية المال ، فلا يمنعون حقهم المالى ، والأمر بالإيتاء أمر لعموم الجماعة الإسلامية بأن تتضافر في تمكين اليتيم من أن يصل إليه ماله ، فلا يأكله الورثة ويضيّعون حقه ، وعلى ذلك يكون معنى الإيتاء تخصيص نصيب لليتامى كاملا غير منقوص ، فتحفظ لهم حصتهم في أبيهم أو في مورثهم ، ويحفظ لهم نصيبهم في كل غلة لأموالهم ، ويكون وصف اليتامى على حقيقته ؛ لأن ذلك وهم صغار ، وفسر بعض العلماء الإيتاء بالإعطاء لهم إذا بلغوا رشدهم ، ويكون التعبير عنهم باليتامى باعتبار ما كان . وقوله تعالى : وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ معناه : لا تجعلوا لهم خبيث المال بدل الطيب ، ويكون الطيب معناه الجيد ، والخبيث معناه الردىء ، فعلى هذا يكون المعنى الجملي : لا تجعلوا ردئ المال لهم بدل الجيد ، فإذا كانت التركة شاء فلا تجعلوا لهم الهزيلة ، ولكم السمينة ، وإذا كانت نقدا فلا تجعلوا لهم الزيوف ، وتجعلوا لأنفسكم الجيد ، ومعنى التّبدل ، جعل شئ بدل شئ أي يجعلون الردىء بدل الجيد ، والباء في مادة التبدل يجوز أن تدخل على المتروك ، ويجوز أن تدخل على المأخوذ ، وهي هنا على المتروك ، لأنه يترك عنهم الجيد ، ويؤخذ لهم الردىء وفسر بعضهم الخبيث بالحرام ، والطيب بالحلال ، ويكون المعنى : لا تجعلوا الحرام عليكم بدلا عن الحلال ، أي لا تأخذوا الحرام من مالهم وتتركوا الحلال الطيب من أموالكم ، وبهذا فسر الزمخشري .