محمد أبو زهرة

1577

زهرة التفاسير

قوله تعالى : وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ( 16 ) [ الغاشية ] وإن هذا يدل على أن البشر الذين تفرقوا في هذا الوجود رجالا وإناثا ، وانشعبوا قبائل متفرقة في أقصى الأرض وأدناها ، كلهم ينتمون إلى هذه النفس الواحدة بلا فرق بينهم في أصل الانتماء ، وفوق هذا يدل الكلام على أن طبيعة المرأة من طبيعة الرجل ، وأنها ليست من جنس مرذول يجرى الشيطان في عروقه ولا يجرى في عروق الرجل ، وأنها لعنة الله في الأرض كما تجرى عبارات بعض المتكلمين في المسائل الدينية من غير المسلمين ، وإن الآيات المتضافرة التي تدل على أن الزوج من نفس الزوج فيها إشارة إلى وجوب التجانس النفسي بين الزوجين ، وأن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ، وكل رجل يكون كنصف دائرة يسبح في الوجود حتى يلتقى بنصف الدائرة الذي يساوى قطره فيكون الالتئام وتتكون الحياة الزوجية الهنيئة . وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ تساءلون أصلها تتساءلون فأدغمت التاء في السين ، وقرئ تساءلون بطرح إحدى التاءين ، ومعناها يوثق بعضكم مطالبه من أخيه ومسألته له بالله تعالى أي يسأل بعضكم مزكيا مسألته بذكر الله تعالى ، وبذكر الأرحام الرابطة بينكم ، ووشائج القربى . والأمر بالتقوى تكرر لتربية المهابة في النفس ، ولتوكيد الطلب ، ولأن مقام التقوى في الثاني غير مقام التقوى في الأول ، فمقام التقوى في الأول هو مقام التقوى التي تتجلى في شكر الرب على ما أنعم ، وبقيام الواجب نحو الخلق للصلة الجامعة الوثيقة ، فهي تقوى الربوبية والإنعام ، ومقام التقوى في الثاني تقوى الألوهية ، ولذلك ذكر لفظ الجلالة الدالة على كل معاني الألوهية ، فهي تقوى العابد الخائف الراجي رحمته ، والأولى تقوى الشاكر المحس بجلائل الإنعام . والأرحام قرئت بفتح الميم « 1 » ، ويكون المعنى اتقوا الله واتقوا الأرحام ، ومعنى اتقاء الأرحام ألا يقطعوها ، بأن يجعلوا لها وقاية من المودة الواصلة ،

--> ( 1 ) قرأها بالجر حمزة ، وقرأ الباقون بالنصب . [ غاية الاختصار ج 2 ، ص 459 ] .