محمد أبو زهرة
1575
زهرة التفاسير
وهو أن يلاحظ كل إنسان تلك الأخوة الرابطة في كل عمل يعمله ، وكل غاية يتغياها ويريدها ، وما أجود ما قاله الزمخشري في هذا المقام ، فقد قال جار الله رضي الله عنه : « أراد بالتقوى تقوى خاصة ، وهي أن يتقوه فيما يتصل بحفظ الحقوق بينهم ، فلا يقطعوا ما يجب عليهم وصله ، فقيل اتقوا ربكم الذي وصل بينكم ، حيث جعلكم صنوانا مفرغة من أرومة واحدة فيما يجب على بعضكم لبعض ، فحافظوا عليه ولا تغفلوا عنه ، وهذا المعنى مطابق لمعاني السورة » . والنفس الواحدة هي آدم أبو الأناسى في هذا الوجود ، والمعنى على هذا الكلام يتطابق مع قول النبي صلى اللّه عليه وسلم « كلكم لآدم وآدم من تراب » « 1 » وهذا نظر الأكثرين من المتقدمين ، وهو الذي يتلاقى مع قوله بعد ذلك : وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً . وقد ذكر الرازي في مثل هذا المقام أنه قد يراد بنفس واحدة أن البشر جميعا متجانسون متحدون في المنشأ ونفوسهم متشابهة متلاقية ، فهم جميعا ينتهون إلى نوع من النفوس واحد ، وقد ذكر هذا المعنى في قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها . . . ( 189 ) [ الأعراف ] فقد نقل عن القفال في تأويل هذه الآية أنه تعالى ذكر هذه القصة على سبيل ضرب المثل ، والمراد خلق كل واحد منكم من نفس واحدة ، وجعل من جنسها زوجها إنسانا يساويه في الإنسانية ، وارتضى أن يكون هذا أحد التأويلات . وعلى هذا الكلام يكون المعنى : إن الله تعالى خلق نفسا واحدة تلتقى عندها كل الأنفس متشابهة متشاكلة ، وإن ذلك يقتضى التشابك في كل بنى الإنسان ، ومع التساوي في الخلق يكون التساوي في الحقوق والواجبات . وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً الزوج القرين المجانس أو المقابل غير المجانس ، وقد قال في ذلك الأصفهاني : « يقال لكل واحد من القرينين
--> ( 1 ) جزء من حديث رواه أحمد ( 10555 ) ، والترمذي ( 4127 ) وحسّنه ، وأبو داود بنحوه ( 5111 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه .