محمد أبو زهرة

1566

زهرة التفاسير

ثم بين سبحانه حال أولئك الذين ماتت ضمائرهم مع ما أوتوه من علم الكتاب ، وهم اليهود ، فقد اتخذوا منه ذريعة للسلطان والسيطرة ، وبذلك عملوا على إضلال غيرهم ، وإفساد عقائد من كانوا يجاورونهم ، وبين في هذا محاولتهم إيذاء النبي والتهكم عليه في دعوته ، وفي أثناء بيان رسالته ، وربط سبحانه وتعالى حاضرهم بماضيهم ، وأشركهم سبحانه مع المشركين في قرن ، وقد بين سبحانه أن الباعث على هذا الضلال والتضليل هو إرادتهم الملك والحسد ، ولذا قال سبحانه : أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً ( 53 ) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً ( 54 ) [ النساء ] وبين سبحانه من بعد ذلك عاقبة الذين يكفرون بآياته سواء أكانوا ممن أوتوا الكتاب من قبل أم كانوا من المشركين . وقابل هذه العاقبة بما أفاضه اللّه - تعالى - من نعيم أخروي على المؤمنين . وقد بين سبحانه وتعالى من بعد ذلك أساس الحكم الإسلامي ، فذكر أنه العدل والأمانة ، وأن أمثل طريق لتحرى العدل والأمانة هو إطاعة الله ورسوله ، وأن الحاكم عليه أن يردّ كل تنازع إلى حكم الكتاب والسنة ، وأن التحاكم إلى غير كتاب اللّه تعالى وسنة رسوله تحاكم إلى الطاغوت ، وأن المنافق هو الذي يرتضى حكم الطاغوت بدل حكم الله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً ( 61 ) [ النساء ] وقد بين أن أمارة الإيمان هو تحكيم الكتاب والسنة فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ( 65 ) [ النساء ] . وإن الحق يجب أن ينصر ، وإن المؤمن لا يصح أن يستسلم للاعتداء ، وإذا كان العدل وأداء الأمانة وإطاعة الله ورسوله أساس الحكم الإسلامي ، فإن العدل مع المخالفين هو أساس العلاقة بين المسلمين وغيرهم ، وإن القتال إذا كان العدل يستوجبه يكون أمرا لازما ، فإذا اعتدى على الإسلام وأهله وجب القتال ، ووجب أخذ الأهبة ، وكان الحذر من الأعداء بقتالهم : فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ