محمد أبو زهرة
1563
زهرة التفاسير
وإن صحت هذه الرواية عن ابن عباس « 1 » فإنها تدل على أنه اتجه إلى عدل الله ورحمته بعباده ، وفتحه باب التوبة والمغفرة . وإلا فإن القرآن كله بكل سورة وآياته خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت . وسورة النساء هي سورة الإنسانية ، ففيها عيّن القرآن الكريم العلاقات الإنسانية التي تربط الناس بعضهم ببعض ، وما ينبغي أن تنهجه المجتمعات الفاضلة في جعل العلاقة الإنسانية الأصيلة تسير في مجراها الطبيعي الذي رسمه رب العالمين بمقتضى الفطرة ، وفيها ما حده الله - تعالى - لعلاج الانحراف الذي ينحرف به ذوو الأهواء من الآحاد والجماعات . ابتدئت السورة الكريمة ببيان الارتباط الإنسانى الجامع الذي تلتقى عنده البشرية جميعها ، فقال - سبحانه - : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها . . . ( 1 ) [ النساء ] وإذا كان الناس جميعا ينتهون إلى أصل واحد فإنه لا بد من التساوي ، ولا بد من التراحم لهذه الرحم الواصلة ، ثم إن أول مظاهر التراحم هو الأخذ بيد الضعفاء ، وأوضح الضعفاء مظهرا أولئك اليتامى الذين لا عائل يعولهم ، وإن اليتيم المقهور هو الذي يتولد فيه الانحراف ، ومن الانحراف تكون العداوة ، ويكون الشر المستطير ، ولذلك ابتدئت السورة بعد إثبات الوحدة الجامعة بعلاج اليتم لتكون الجماعات في طريق المودة . واليتيم لا يحتاج فقط إلى الغذاء والكساء بل يحتاج إلى المودة والإصلاح في نفسه وماله : وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً ( 9 ) [ النساء ] . وفي سبيل بيان حقوق اليتامى يبين - سبحانه - نظام التوزيع المالى للأسرة عندما يموت واحد منها ، فيبين الميراث وأنه حد لله تعالى للحقوق المالية لمن يخلفون المتوفى في ماله ، وأن الانحراف عنه عصيان لله تعالى .
--> ( 1 ) رواها ابن جرير الطبري في تفسيره ، وروى الحاكم بإسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، عن ابن عباس أنه قال : سلوني عن سورة النساء ؛ فإني قرأت القرآن وأنا صغير .