محمد أبو زهرة

1557

زهرة التفاسير

وقد ختم سبحانه وتعالى النص الكريم بقوله تعالى : ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ لبيان اختصاصه سبحانه بالثواب الحسن كأن كل جزاء للأعمال في الدنيا لا يعد حسنا بجوار ما أعده اللّه تعالى للمحسنين من عباده وما في الدنيا من ثمرات الأعمال لا يعد شيئا ، وهذا تمهيد لقوله سبحانه : لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتاعٌ . في الآيات السابقة إشارات إلى سطوة المشركين ؛ إذ آذوا المؤمنين ، وأخرجوهم من ديارهم ، وقاتلوهم وقتلوا منهم ، وقد بين سبحانه أنه سيجزى المؤمنين على صبرهم وهجرتهم ، وجهادهم ، ولكن قد يعرض للخاطر : لما ذا يكون هؤلاء المشركون في هذه القوة وتلك النعمة الدنيوية ؟ فجاء النهى الكريم ليمنع من توسوس له نفسه من أن يغتر بما عليه هؤلاء المشركون من قوة وسطوة ومتاع دنيوي ، والنهى موجه للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، ومعناه : لا يصح أن تغر بما عليه المشركون من قوة ومال ، وهو نهى لكل المؤمنين ، وفيه إشارة إلى أن هذه الحال من شأنها أن تغر وتخدع من لا يؤمن باللّه واليوم الآخر ، فكان النهى لهذا ، وليس من مقتضى النهى أن يكون قد وقع من النبي صلى اللّه عليه وسلم غرور ، فالنهي عن أمر من شأنه أن يقع في النفوس ليس دليلا على وقوعه ، ولذلك روى أن قتادة قال : واللّه ما غروا نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، حتى قبضه اللّه إليه . ولقد قال الزمخشري في توجيه النهى للنبي صلى اللّه عليه وسلم : « فيه وجهان ؛ أحدهما : مدرة « 1 » القوم ومتقدمهم خاطب بشيء فيقوم خطابه مقام خطابهم جميعا ، فكأنه قال لا يغرنكم . والثاني : أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان غير مغرور بحالهم ، فأكد ما كان عليه وثبت ما كان على التزامه كقوله : وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ ( 42 ) [ هود ] ، وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 87 ) [ القصص ] ، فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ( 8 ) [ القلم ] ، ومعنى غره أصاب غرته ، والغرة غفلة في اليقظة . والتقلب التصرف ، ومن ذلك قوله تعالى : وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ( 219 ) [ الشعراء ] ، ومعنى تقلب هؤلاء الأعداء في البلاد تصرفهم فيها حاكمين

--> ( 1 ) مدرة القوم ( بالدال ) : أي المقدم فيهم .