محمد أبو زهرة

1541

زهرة التفاسير

رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ . . . ( 28 ) [ الكهف ] فالصبر يتضمن ضبط النفس عن الجزع ، وقوة الاحتمال ، والتضافر مع الجماعة ، وقد وصف النبي صلى اللّه عليه وسلم صبر الأنصار فيما روى عنه من أنه قال فيهم : « يقلون عند الطمع ، ويكثرون عند الفزع » « 1 » . تَتَّقُوا معناها أن تتخذوا الوقاية بطلب رضا اللّه تعالى ، ورجاء ما عنده ، وأن تستعدوا ، وتدفعوا الاعتداء بالحق وتعملوا على الخروج من المحنة ، فليس شأن المؤمن استسلاما للمصائب تنزل به ، بل شأنه صبر من غير جزع ، وعمل من غير طمع ، وجد وجهاد ودفع للشر . وقد بين سبحانه أن التقوى والصبر هما من الأمور التي أمر اللّه تعالى بها لأنها تؤدى إلى النجاح ، ولذلك قال سبحانه : فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ أي إن ذلك مما يعقد الأمور ويربطها ويوثقها ويؤكدها ، ويجعلها قوية منتجة مثمرة ، فالصبر والتقوى بهما النجاح في الأمور . وقد بين سبحانه أن أهل الكتاب فيما يصنعون قد خالفوا ما أخذ عليهم من مواثيق ، فقال تعالى : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ . الميثاق هو العهد الموثق المؤكد ، وقد أخذ اللّه سبحانه وتعالى على الذين أوتوا الكتاب العهد المؤكد الذي لا يقبل تأويلا ولا احتمالا أن يبثوا علم الكتاب ويعلنوه ، ولا يقصروا العلم به على طائفة من الناس خاصة ، والضمير في لَتُبَيِّنُنَّهُ يعود إلى الميثاق ، ويكون المراد من العهد الذي وثقه اللّه تعالى هو تعاليمه وشرعه ونوره ، وعلى ذلك يكون ثمة احتمالان في عود الضمير ، أحدهما أن يعود إلى الكتاب ، والثاني أن يعود إلى الميثاق نفسه ، والأظهر أنه يعود إلى الكتاب ، والالتفات من الغائب إلى الخطاب ؛ إذ إنه كان متحدثا عنهم ، ثم فسر

--> ( 1 ) جزء من حديث رواه العسكري في الأمثال كما جاء في جامع الأحاديث والمراسيل 13492 - ج 19 ، ص 37 .