محمد أبو زهرة

1539

زهرة التفاسير

النفس ، وإن كان دونها ، وهي أغلى منه ، والمعنى : ليست أحوال المؤمن رخاء دائما ، بل فيها شدة وبلاء يقتضى الصبر ، وفيها نعمة وإحسان يقتضى الشكر . والابتلاء في الأنفس يكون بالخوف من مساورة « 1 » الأعداء ، وتربصهم دائما ، وبالجوع ، وبهلاك النفوس في الحروب ، وبالشدائد فيها ، والابتلاء في المال والأنفس قد ذكره سبحانه وتعالى بهذه الآية ، وفي كثير من الآيات . والدرجة العليا من الابتلاء هي ما يخص الدين ، وقد خصها سبحانه وتعالى بالذكر المؤكد ، فقال : وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً والأذى الذي كانوا يسمعونه هو الافتراء على اللّه تعالى ، والتهكم على القرآن ، والسخرية من الشرع الإسلامي ، من مثل قولهم : إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ . . . ( 181 ) [ آل عمران ] ومثل قول المشركين : أَ نُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ . . . ( 47 ) [ يس ] ، وهكذا مما يمس الحقائق الدينية ، وقد جعله اللّه سبحانه وتعالى في المرتبة العليا من الابتلاء ؛ لأن المؤمن يسهل عليه التأذى في ماله ونفسه ، ولا يسهل عليه الأذى في دينه ، وإنه يحتمل كل شئ في سبيل الدين ، فإذا اتخذت الحقائق الدينية ذاتها هزوا ولعبا فإن ذلك فوق الاحتمال ، ولذلك لم يحتمل أبو بكر الصديق كلام ( فنحاص ) عندما تهجم على ذات اللّه فضربه وشج رأسه « 2 » ، مع ما اشتهر به الصديق من رقة وعطف ، حتى شبهه النبي صلى اللّه عليه وسلم باللبن السائل للينه وسهولته . وفي النص الكريم إشارات بيانية نبينها ، فإن في بيانها ذكرا لمرامى النص الكريم : أولها : أنه عبر عن المخالفين الذين كفروا بالنبي صلى اللّه عليه وسلم بما يشير بأنهم قسمان : قسم أوتى علم الكتاب الذي نزل على بعض الأنبياء من قبل النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والقسم

--> ( 1 ) المساورة من معانيها المواثبة والمقاتلة ، وسورة الغضب : وثوبه . الصحاح - لسان العرب ( سور ) . فالمعنى هنا مهاجمة الأعداء . ( 2 ) سبق قريبا تخريج هذه الرواية .