محمد أبو زهرة

1532

زهرة التفاسير

بيضاء تأكله ، وقد ادعى اليهود أن ذلك عهد من اللّه عهد إليهم ، وهو ادعاء باطل ، فهذا الأمر إذا كان معجزة لرسول لا يستلزم أن يكون معجزة لكل رسول ، وآيات اللّه تعالى لإثبات رسالات الرسل متعددة النواحي ، مختلفة المناهج ، لكل أمة منهاج من الإعجاز يناسبها ، وكون هذا كان حجة من الحجج الدالة على الرسالة وصدق الرسول في زمن - لا يقتضى أن يكون حجة في كل الأزمان . ولا شك أن ذلك النوع من الإعجاز قد وقع ، وذلك لأن اللّه تعالى يقول : قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ ، والذي قالوه هو أن يأتيهم بقربان تأكله النار . ولتتميم الكلام في النص لا بد أن نتعرض لتفسيرات لفظية لبعض الكلمات ، ومن هذه الكلمات كلمة ( نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ ) ، وكلمة ( قربان ) ، وكلمة ( يَأْتِيَنا ) ، وكلمة ( تَأْكُلُهُ ) . ومعنى نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ : أي نذعن لما يدعو إليه ونخضع ؛ إذ المطلوب منهم هو الإذعان للحق والخضوع له والتسليم به ، لا التصديق المجرد الذي يصوره مجرد إيمان ، فالفرق بين الإيمان بالرسول والإيمان له أن الأول يتضمن معنى التصديق ، وإن لم يكن معه إذعان والتسليم والخضوع لما يدعو إليه . ومعنى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ أن الرسول هو الذي يأتي بالقربان من النعم وهو ما يتقرب به إلى اللّه تعالى من النعم ، ويقدمه هو ، تنزل النار البيضاء من السماء فتأكله ، فليسوا هم الذين يقدمون القربان الذي تأكله النار ، بل الذي يفعل ذلك هو الرسول إعجازا ، ولبيان أنه رسول ، ولا يقال حينئذ إنه إذا كان كل قربان تأكله النار لا تكون ثمة فائدة يستفيدها الفقراء من القرابين ، بل هذه حال خاصة يأتيها النبي من الأنبياء ، ويقوم بها فتكون تلك الأمارة التي على التأييد من السماء ، كانقلاب العصا حية ، وانبجاس الماء من الحجر ، وانفلاق البحر اثنا عشر فرقا كل فرق كالطود العظيم .