محمد أبو زهرة
1529
زهرة التفاسير
من معنى العقاب الرادع الذي لا مناص منه عبر بالمضارع فقال سبحانه : « سَنَكْتُبُ ما قالُوا والتعبير ب ما قالُوا فيه إشارة إلى ما فيه من تجرؤ على اللّه تعالى ، وتهجم على مقامه الأعلى سبحانه . وقد قرن سبحانه ذلك القول الجريء بعمل جرىء من أسلافهم ، وقد ارتضوه ، فكان من الحق أن ينسب إليهم ، وهو ما عبر عنه سبحانه وتعالى بقوله : وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وذلك لإثبات جرأتهم في الشر ، واستهانتهم بالحقائق الدينية ، وشرههم إلى الفساد ، وقد أثبت اللّه سبحانه وتعالى بذلك فساد فعلهم بهذا القتل الشنيع ، وفساد قولهم بذلك القول الفاسد الجريء على اللّه سبحانه وتعالى . وهنا تثار ثلاثة أمور نتكلم فيها بإيجاز : أولها : في قرن هاتين الجريمتين ، وقد أشرنا إلى أنهما من نوع واحد ، وهو التجرؤ على اللّه سبحانه وتعالى ، فالقديمة تجرؤ على رسالة اللّه ، والثانية تجرؤ على ذات اللّه ، وبذلك يكونون قد عتوا عتوا كبيرا ، وضلوا ضلالا بعيدا . ثانيها : أن نسبة القتل إلى الحاضرين صحيحة لأنهم رضوا به ، وإن لم يكونوا قد باشروه ، ومن رضى بجريمة فقد فعلها ، وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فأنكرها من غاب عنها ، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها » « 1 » . وثالثها : أنه وصف قتلهم للنبيين بأنه بغير حق - مع أن هذا النوع من الإجرام لا يمكن أن يكون بحق أبدا ، وذلك للإشارة إلى شناعة أفعالهم ، وعظم شرهم ، وأنهم لا يبالون أكان فعلهم في موضعه أم في غير موضعه . وقد قلنا إن هذه الكتابة هي للعقاب ، وقد قال سبحانه بعد ذلك مصرحا بالعقاب : ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ .
--> ( 1 ) رواه أبو داود : الملاحم - الأمر والنهي ( 3782 ) عن العرس بن عميرة الكندي .