محمد أبو زهرة

1524

زهرة التفاسير

البخل هو الحرص الشديد فيما يملك الإنسان من مال أو علم أو أي ضرب من ضروب القدرة التي يستطيع أن يعين بها غيره ، وعلى ذلك يشمل البخل كل شح ، سواء أكان موضوعه المال ، أم لم يكن موضوعه المال ، وقد فسر بعض العلماء البخل في هذه الآية بكتمان العلم ، ذلك أن اليهود كتموا أوصاف النبي صلى اللّه عليه وسلم وتبشير التوراة به ، وضنوا بها فلم يعلنوها ليضلوا ، أو ليمنعوا الهداية . وقد فسر الأكثرون البخل بمعناه الظاهر المتبادر ، وهو البخل في المال ، ويتفق هذا مع سياق الكلام ، إذ إن اللّه سبحانه وتعالى قد حكى عن هؤلاء الذين يبخلون بما آتاهم اللّه من فضله ، أن منهم من يقول إن اللّه فقير ونحن أغنياء ، ولأن اللّه سبحانه وتعالى ذكر بعد بيان بخلهم أن اللّه سبحانه وتعالى له ميراث السماوات والأرض ، والتعبير بكلمة ميراث يومئ إلى أن موضوع البخل هو المال . والنهى عن الظن وأن البخل المالى فيه خير في قوله تعالى : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ يدل على النفي المؤكد ، فالمعنى لا يصح لهم أن يظنوا بأي حال من الأحوال أن ذلك البخل فيه خير لهم ، بل فيه شر لهم ، وفي الآية الكريمة إشارة إلى أن سبب البخل نسيان أصل المال ، إذ أن البخيل يحسب أن ما يأتي إليه من مال إنما هو بجهوده وكسبه فقط ، وليس فضلا من اللّه ، وينسى أن اللّه سبحانه وتعالى هو المعطى المانع ، وأنه يرزق من يشاء بغير حساب ، وأن الرجلين يسعيان ويتخذان الأسباب ، فتأتي جائحة لهذا تأكل الأخضر واليابس ، وينجو مال ذاك ، واللّه على كل شئ قدير ، وبكل شئ عليم ، ولذا بين اللّه سبحانه أن المال الذي يجئ إليهم إنما هو بفضل من اللّه سبحانه وتعالى ، ولذلك قال : يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ، فهو يبين لهم أن المال مال اللّه تعالى ، وأن اللّه تعالى يعطى من يشاء ، ويمنع من يشاء . والضمير في قوله تعالى : هُوَ خَيْراً لَهُمْ تأكيد لمعنى البخل المفهوم من قوله تعالى يَبْخَلُونَ ، ونرى أن الضمير ضمير الفصل لتأكيد نفى الظن في الخيرية .