محمد أبو زهرة
1519
زهرة التفاسير
الإملاء : الإمهال والتخلية بين العامل والعمل ليبلغ مداه ، من قولهم : أملى لفرسه إذا أرخى له الطول ليرعى كيف شاء ، ويطلق الإملاء على طول العمر ، وهو من أملى بمعنى أعطاه ملاوة أو مهلة من الزمان . جاء في مفردات الراغب الأصفهاني : « الإملاء : الإمداد ، ومنه قيل للمدة الطويلة ملاوة من الدهر ، وملى من الدهر » . وهنا في النص الكريم قراءتان إحداهما بالياء أي : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ ويكون النهى عن الظن متجها للذين كفروا ، والمعنى على هذا لا يجل بخواطر أولئك الكافرين أن إملاءنا لهم بإعطائهم نعيما في الدنيا ، وإرخاء العنان لهم ، وتمتيعهم وعدم القضاء عليهم دفعة واحدة - فيه خير لهم ، ويكون مفعولا يحسب قد سد مسدهما « أن » المصدرية و « ما » بعدها فإن ذلك كثير في القرآن وكثير من كلام العرب ، كقولك عن شخص : لا يحسب أنه عالم . وعلى القراءة الثانية « 1 » ، وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ يكون الخطاب بالنهى متجها إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ويكون المفعول الأول هو الَّذِينَ كَفَرُوا ، و أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ بدل من الذين كفروا ، وسد مسد المفعول الثاني ، ويصح أن يكون هو المفعول الثاني ، ويكون المعنى على هذا : لا تظن يا محمد ولا يظن أحد من أمتك الذين كفروا قد أملى لهم لخير يأتيهم ، ويكون توجيه الظن إلى الذين كفروا له فائدة ؛ لأن الظن قد سبق إلى المؤمنين من أشخاصهم ، وما أوتوا من مال وقوة وعزة نفر ، وبقاءهم على هذا أمدا طويلا . وقد صرح سبحانه من بعد ذلك بنتيجة الإملاء فقال سبحانه : إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ .
--> ( 1 ) أي : ( ولا تحسبن ) قرأها بالتاء خطابا : حمزة ، وقرأ الباقون بالياء فيها ، وكذلك في الآية ( 180 ) التي بعدها من نفس السورة . غاية الاختصار ج 2 ص 456 .