محمد أبو زهرة
1517
زهرة التفاسير
النص الكريم في بيان معاملة اللّه تعالى للذين تركوا الحق ، ويتبعون الضلال ، ويحادّون اللّه ورسوله سرا وإعلانا ، وقد بين سبحانه في الآية أنه لا يصح أن تكون مسارعة الكفار في الكفر وتنقلهم من حال إلى حال فيه سببا في حزنك ، وإلقاء الغم في قلبك ، لأنهم لا يضرون إلا أنفسهم ولن يضروك شيئا ما دام اللّه سبحانه معك ، ولن يتخلى عنك ، وفي هذه الآيات يبين معاملة اللّه تعالى لهؤلاء الكافرين ، واختباره سبحانه للمؤمنين ، وأنه سبحانه وتعالى قد قدر كل ذلك في علمه المكنون الذي لا يطلع عليه أحد ، وقد قال سبحانه في أوصاف الكافرين : إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ . هذه الآية تبين حال الذين عاندوا الرسول ، ولم يخلصوا في طلب الحق ، وهؤلاء أقبلوا على الكفر راغبين فيه طالبين له ، حتى إنهم ليجعلون الإيمان الذي أودعه اللّه تعالى النفوس في تكوينها ، وجعله موضع النور في كيانها - ثمنا يقدم في نظير الكفر الذي يأخذونه ، وفي هذا دلالة على أمرين : أولهما : أن الكافرين طمس على قلوبهم فاستبدلوا بفطرة الإيمان التي فطر اللّه الناس عليها كفرا قامت الدلائل على بطلانه فكان هذا دليلا على تمكن الضلال ، وكل ما يقع منهم بعد ذلك من شر يجب أن يكون متوقعا ، فيهون أمره ، ويضعف في النفس أثره . ثانيهما : أن الإيمان في ملك كل إنسان ، وهو الأصل الذي يجب أن يهتدى إليه عندما تلوح ظواهره وبيناته فإن اللّه تعالى قد ألهم كل نفس فجورها وتقواها ، والبينات الشاهدة الواضحة المؤيدة الهادية تجعل الإيمان في قبضة يد طالب الحق ، فإذا فتح قلبه للكفر ، فقد باع أغلى شئ في الوجود ، وهو الإيمان ، بأحقر شئ في الوجود وهو الكفر ، والكلام بعد ذلك فيه استعارة تمثيلية ، وهي تصوير الكافر الذي يترك بينات اللّه وآياته ، وإنها لكثيرة ، ويختار الضلال مع قيام الأدلة على بطلانه ، بمن يكون في يده أجود بضاعة ، ويبيعها بأرخص الأثمان ، بل بشيء لا