محمد أبو زهرة

1515

زهرة التفاسير

عليه تعالى بعد الأخذ في الأسباب ، والإيمان بأن اللّه تعالى ناصر دينه ، وناصر من استمسك به وأخذ بعروته ولم يتركها قط . والمقابلة بين النهى عن الخوف من أولياء الشيطان ، والأمر بالخوف منه سبحانه ، فيها بيان علاج النفس إذا ضعفت وخافت من الشيطان وأوليائه ، فدفع الخوف من أولياء الشيطان يكون بالخوف من اللّه تعالى ، فمن خاف اللّه تعالى حق الخوف منه لا يخاف أحدا من العباد إذا عاندوا وحادوا اللّه ودينه ، لا يخاف أهل الضلال من يخاف اللّه سبحانه وتعالى « 1 » . ولقد كان المشركون بعنادهم المستمر ومقاتلتهم النبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه بعد فتنتهم يوغلون في الكفر ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم تذهب نفسه عليهم حسرات ، فهو لا يخاف منهم ، ولكن يشفق ، ويتمنى أن يجيئوه مؤمنين ، بدل أن يأخذهم مقتولين ، ولقد نهاه سبحانه عن الحزن عليهم فقال تعالى : وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً : والمعنى لا يحزنك ولا تكن في نفسك حسرة على الذين يسارعون في الكفر أي يوغلون فيه وينتقلون من درجة إلى درجة فينتقلون من الضلال والجحود إلى التضليل ومن التضليل إلى الفتنة ثم القتال ، ثم التدبير الخبيث والمكر السيئ ، ولقد فسر الزمخشري كلمة يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ بمعنى الوقوع فيه سريعا من غير تريث وتدبر وتفكير ، والأول عندي أوضح ؛ لأن الكلام ليس في الذين وقعوا فيه من جديد ، وإنما هو في الذين مردوا عليه وأوغلوا فيه واستمروا عليه ، والنهى عن الحزن نهى عن الاسترسال فيه ، ونهى عن أسبابه ، وهو الظن بغلبة الضلال على اليقين والكفر والإيمان ، ولقد طمأن اللّه تعالى نبيه تأكيدا للنهي ، ونفيا لمبرراته ، فقال سبحانه : إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً أي إنهم مهما يتماد شرهم وطغيانهم وفتنتهم الناس عن دينهم ، فلن يضروا اللّه شيئا من الضرر ولو صغيرا . فلن ينقص كفرهم

--> ( 1 ) أي فهما ضدان ، والضدان لا يجتمعان .