محمد أبو زهرة

1506

زهرة التفاسير

هذه الجملة بيان للاستبشار السابق ، والتخريج في معنى كلمة الاستبشار الذي ذكرناه في النص السابق يجرى فيها . والمعنى أن هؤلاء الشهداء يطلبون البشرى بنعمة من اللّه تعالى ، وهي نعمة جزيلة كريمة فاضلة لأنها صادرة عن مانح النعم لهذا الوجود كله ومسديها لكل حىّ ، والنعمة هنا هي نعمة الانتصار ، والفضل هو ما يسبغه اللّه تعالى على أهل الحق من عزة ، وطلب له شاعرين بأن الموت في سبيل اللّه هو عين البقاء ، والحياة في باطل هي عين الفناء ، فالاستبشار من هؤلاء الأطهار استبشار بالعزة لدينهم وللحق الذي افتدوه بأجسامهم وخفقت من بعد ذلك أرواحهم ، فهم يستبشرون بنعمة النصر وفضل العزة للذين جاءوا من بعدهم ، فنعمتهم هم وفضل اللّه عليهم في نصرة الإسلام بعدهم ، وكون اللّه تعالى لا يضيع أجر المؤمنين ، بأن يعطيهم النصر والعزة والكرامة جزاء جهادهم ، وليس الاستبشار هنا بما ينالونه هم ، بل بما ينال الإسلام والمؤمنين من بعدهم ، والدليل على ذلك أن الاستبشار هنا بيان للاستبشار الذي سبقه ، والاستبشار الذي سبقه كان لأن الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، وأيضا فإن المؤمنين الذين لا يضيع جزاؤهم في الدنيا بالنصر ، ولا في الآخرة بالنعيم المقيم ، بينوا بأنهم الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ، وهم الذين قال اللّه تعالى فيهم : الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ . أصل استجابوا : طلبوا الإجابة ، والمعنى هنا أنهم عالجوا أنفسهم وطلبوا إجابة داعى اللّه إلى النصر ، فأجابوا ، فالاستجابة لأن السين والتاء للطلب تدل على أنهم راضوا نفسهم على إجابة اللّه تعالى ، ونالوا ذلك الشرف العظيم ؛ إذ أجابوا داعى اللّه ورسوله من بعد ما أصابهم ذلك الجرح ولم ينهنه من قوتهم ، بل استرسلوا في قوة وصبر وعزيمة ، واستثارهم الجرح ولم يضعفهم ، وأنهم أجابوا الداعي فور الواقعة ، فإنه يروى في ذلك أنه لما رجع المشركون قالوا : ( لا محمدا