محمد أبو زهرة

1154

زهرة التفاسير

أمّيين ولا يحترمونهم ، ويقولون عنهم : لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ . . . ( 75 ) [ آل عمران ] . ومعنى النص الكريم : قل لأهل الكتاب والمشركين : إذا كنت قد أخلصت في طلب الحق فهل أخلصتم ؟ والاستفهام في قوله تعالى : أَ أَسْلَمْتُمْ للحضّ على أن يسلموا وجوههم للّه ويخلصوا في طلب الحقيقة كما أخلص الرسول وأصحابه ، وكأن النبي صلى اللّه عليه وسلم يوجههم إلى أن يطلبوا الحقيقة مجردين أنفسهم من كل هوى وغرض وتعصب ، بدل أن يحاولوا الإلحان بالحجة والمغالبة بالقول ، وأن يستمروا على اللجاجة في الجدل . وبهذا يتضمن الاستفهام معنى جليلا وهو أن يبين لهم النبي صلى اللّه عليه وسلم أن العبرة في طلب الحقائق ليس بالأدلة تصطنع ، والحجج تزوّر ، إنما العبرة بإسلام الوجه والإخلاص في طلب الحقيقة ، وقد قال في ذلك الزمخشري : « وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة ، ولم تبق من طرق الاستدلال طريقا إلا سلكته : هل فهمتها ؟ لا أمّ لك ! » ويكون الاستفهام حينئذ عند الزمخشري من قبيل التوبيخ على عدم الإخلاص . وعندي أن الاستفهام بمعنى الحض ، والمعاني على أي حال متقاربة . ولقد بين سبحانه نتيجة الإخلاص إن أخلصوا فقال : فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ والمعنى : إن أسلموا وجوههم لله ، وأخلصوا دينهم لله ، ولم يلاحظوا في طلب الحقيقة عصبية مذهبية أو جنسية ، فقد اهتدوا أي سلكوا طريق الحق ، ومن سار على الدرب وصل . وقد فسرها بعض العلماء بمعنى يهتدون ، وعبر بالماضي لتحقق الهداية تحققا كاملا . وعندي أن نفس ذلك الإخلاص ، وهو إسلام الوجه للّه تعالى هو الهداية الحق ، فمن أسلم وجهه للّه تعالى مخلصا في طلب الحق ، فقد اهتدى حقا وصدقا ؛ إذ إن ذلك الإخلاص هو روح الدين وغايته ، فمن وصل إليه فإنه لا محالة سيتبع الدين الذي يوصل إليه وهو الإسلام .