محمد أبو زهرة
1495
زهرة التفاسير
والثاني : أنه سبحانه وتعالى عبر عن إرادته الأزلية بالإذن ؛ لأن الإذن هو الإعلان ، وقد علمت تلك الإرادة بهذا الأمر الذي وقع ، وقد كانت تلك المصيبة التي نزلت لها فوائد ؛ أولها : ضرورة الاستمساك بأسباب النصر ، وطلبه بأسبابه ، وقد أشرنا إلى ذلك ، وثانيها وثالثها : ما أشار إليه سبحانه وتعالى بقوله : وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا . أي ليعلم اللّه سبحانه وتعالى وقوع ما قدره في علمه الأزلي ، فيعلم المؤمنين الثابتين الأقوياء الذين لا يبغون مادة ، بل يبغون إعلاء كلمة اللّه تعالى ، وجعلها هي العليا ، وكلمة الشرك هي السفلى ، وليعلم وقوع ما قدره في علمه الأزلي وهو ظهور المنافقين في هذه الشدة ، ولتقريب المعاني نقول : إن اللّه تعالى يعلم ما يقع في المستقبل علما أزليا كما قال سبحانه : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ . . . ( 34 ) [ لقمان ] فإذا وقع ما قدره علمه سبحانه واقعا ، وما يتغير بذلك علم اللّه تعالى ، بل الذي يتغير هو المعلوم من أنه سيقع إلى أنه واقع ، وعلم اللّه واحد . ويصح أن يقال : إن معنى علم اللّه تعالى في هذه الآية الكريمة وما يشبهها من آيات هو ظهور ما قدره سبحانه وتعالى بحيث يعلمه الناس ، وهو من قبل في علم اللّه المكنون ، ولوحه المحفوظ . ومرمى النص الكريم أن تلك الشدة التي نزلت تميز بها الصادقون من أهل الإيمان من المنافقين الذين كانوا يبثون روح الهزيمة في أوساط المؤمنين كما قال تعالى : ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ . . . ( 179 ) [ آل عمران ] لقد دخل المنافقون صفوف المؤمنين بعد غزوة بدر ، فكان لا بد أن يميّزوا ويعرفوا ليتوقى المؤمنون شرهم ، ولا يكون ذلك إلا بتجربة تعرك فيها النفوس ، وتلك التجربة كانت في غزوة أحد ، فعلم أمر أهل النفاق من بعدها ، حتى صاروا يعرفون بسيماهم وأقوالهم وأفعالهم ، وقد عبر اللّه سبحانه