محمد أبو زهرة
1493
زهرة التفاسير
العظيمة فيهم في بدر ، والمقتلة العظيمة في أول الغزوة في أحد ، ويصح أن يقال : إن الذين قالوا من أقوياء الإيمان ؛ لأنهم يستعجلون نصر اللّه تعالى لإعزاز دينه ، ويخشون أن يكون اللّه تعالى تخلى عن نصرتهم لعيوب فيهم ، وقد أمر اللّه تعالى أن يجيبهم ، ويزيل تعجبهم ، فقال : قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ . أي أن سبب المصيبة منكم أنتم ، وقد أكد أنه منهم بإبراز الضمير في الإجابة « 1 » ، وبالإتيان بالظرف وهو عند ، وبالتعبير ب « أَنْفُسِكُمْ » التي تدل على التوكيد ، وكان سبب الهزيمة منهم لأنهم لم ينتظروا في المدينة حتى يجيء إليهم الأعداء ويقضوا عليهم ، فالنبي صلى اللّه عليه وسلم خرج من المدينة نزولا على حكم الشورى ، وعلى رأيهم ، فعليهم أن يتحملوا تبعته ، وهم فوق ذلك هموا بأن يفشلوا ، ولأنهم عندما رتب النبي صلى اللّه عليه وسلم جيشه ترتيبا حكيما ، وأخذ المقاتلون ينفذون الخطة بإحكام ، والرماة يحمون ظهورهم ، حتى أخذوا يحسّونهم بإذنه ، وقتلوا من المشركين مقتلة عظيمة ، وفروا أمامهم ، ترك الرماة أماكنهم ، فكان الاضطراب في جيش الحق ، وفوق ذلك فإن الشك قد أصاب القلوب الواهنة ، حتى أخذ يضرب بعضهم رقاب بعض ، وضعف صوت الهادي الرشيد ، وانطلق المنافقون يعلنون قتل النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فبسبب ذلك كله كانت الهزيمة . بيد أن هذه الهزيمة كانت إرادة اللّه سبحانه وتعالى ليمحّص المؤمنين ، وليبين لهم بالعمل أن طاعة القائد الرشيد سبب النصر ، وأن قدرة اللّه تعالى فوق كل شئ ، فهو قادر على كل شئ ، كان يستطيع أن ينصركم في هذا المضطرب ، وقد فعل فإنه صرف المشركين عن أن يعودوا إلى المدينة وقد أثخنتكم الجراح وأثقلكم الاضطراب ، ولكن اللّه خوّفهم فرضوا من الغنيمة بالإياب ، ولذا قال سبحانه مؤكدا قدرته : إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وهذا رد على ضعفاء الإيمان الذين يقولون كيف ننهزم واللّه معنا ، فبين سبحانه أن قدرته فوق كل شئ ، وأنه سبحانه أراد
--> ( 1 ) أي الضمير « هو » في قوله تعالى : هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ .