محمد أبو زهرة
1489
زهرة التفاسير
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ لقد من اللّه تعالى ، ونعمه على المؤمنين كثيرة ، باختيار رسول اللّه محمد صلى اللّه عليه وسلم ، واللّه أعلم حيث يجعل رسالته ، فلقد كان حكيما أمينا فيهم من قبل الرسالة ، وكان رفيقا بهم لا يعنتهم بعد الرسالة ، لان لهم ، ولم يكن فظا غليظا بهم ، وفي هذا النص السامي يبين أن ذات رسالته نعمة ، فقال : لَقَدْ مَنَّ ، أنعم وأعطى ووهب ، وأكد عظيم المنة والعطاء باللام ، ولقد كانت منته في بعث الرسول من أنفسهم ، ومعنى مِنْ أَنْفُسِهِمْ يصح تخريجها تخريجين : الأول : أن يكون من نفس العرب ، ومن قومهم ، ويكون كلمة المؤمنين خاصة بمؤمنى العرب . والثاني : أن يكون من أنفسهم ، أي أنه بشر مثل سائر البشر آتاه الحكم والنبوة ، وكان رسول رب العالمين ليرسم لهم طريق الهداية ويكون لهم أسوة حسنة ؛ إذ لا يمكن أن يكون أسوة حسنة لهم إلا إذا كان من جنسهم ، وكان بشرا مثلهم ، يأكل مما يأكلون ويشرب مما يشربون ، وما يأتيه من خير يكون جنسه في طاقة البشر ، وإن كان مقام النبي صلى اللّه عليه وسلم فيه أعلى وأزكى وأوفر خيرا ، وقد بين سبحانه وجه النعم في هذا البعث المحمدي فقال : يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ التلاوة القراءة المتابعة المرتلة التي يكون بعضها تلو بعض ، أي يعقبه في نظام محكم دقيق ، والتلاوة في أكثر أحوالها لا تكون إلا في آيات مقروءة ، والآيات تطلق على الآيات الكونية باعتبارها أمارة وشاهدا على قدرة اللّه تعالى ووحدانيته ، وتطلق على الآيات المتلوة باعتبار أن كل آية من كتاب اللّه تعالى دليل على أنه من عند اللّه ، وظاهر السياق أن الآيات التي تتلى هنا هي الآيات القرآنية ، والمعنى في ذلك أن اللّه سبحانه يلقى على نبيه القرآن الكريم فيتلوه عليهم متحديا العرب أن يأتوا بمثله ، وقيل : إن المراد بالآيات . . الكونية ، ومعنى تلاوتها تلاوة القرآن المشتمل على أنبائها ، وعلى توجيه الأنظار إليها ، وإن الظاهر هو الأول ، ولا يخلو الرأي الثاني من تكلّف ،