محمد أبو زهرة
1487
زهرة التفاسير
والثالثة : أنه عبر عن الذين يغلون ويخونون بأنهم يبوءون أي يعودون على أنفسهم بسخط اللّه تعالى ، والسخط ليس هو الغضب المجرد ، بل هو الغضب الذي يصحبه أو يترتب عليه العقاب ، وفرق بين عملين : أحدهما يجلب أبلغ الرضا ، وثانيهما يجلب أبلغ الغضب وأشد العقاب ، وإن ذكر هذه المقابلة ليعرف الذين يغلون بالغنائم أنهم لا يكسبون لأن ما يخسرونه أضعاف ما يكسبون من عرض لا بقاء له ، والعبرة بفاضل ما بين الكسبين ، أما الذين قد اختاروا الأمانة سبيلا ، فإنهم لا يخسرون شيئا ؛ لأن مال الخيانة لا يعد كسبا ، بل هو سحت لا كسب فيه ، ومع أنهم لا يخسرون شيئا ، وكسبهم عظيم لا حد له ، وهو رضوان اللّه تعالى . والرابعة : أنه سبحانه عبر عن اتباع أوامر اللّه ونواهيه باتباع رضوانه ، لأن الطاعة المخلصة تؤدى إلى رضوانه سبحانه وتعالى ، فطلب رضا اللّه في طاعته . ولقد عقب سبحانه ذكر سخطه بذكر عقابه ؛ لأن السخط والعقاب متلازمان ، كما أشرنا ؛ ولذا قال سبحانه : وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ أي أن عودتهم بغضب اللّه الشديد يتبعه حتما ذلك المصير يوم القيامة ، وهو أن يكون المستقر الذي يستقرون فيه وينتهون إليه ، هو جهنم ، وهي الهاوية التي يهوون إليها في النار ، جزاء هاوية الخيانة التي أصابتهم في الدنيا ، وبئس ذلك المصير الذي صاروا إليه ، وكان لهم نهاية ، وإن لم يريدوه لهم غاية . وإن نتيجة عدم التساوي بين من يتبع رضوان اللّه تعالى ويطلبه بإقامة الطاعات على وجهها الأكمل ، ومن يختارون الشر سبيلا - هي أن يكون الناس درجات بحسب مقدار طلب الرضوان ، ومقدار اتباع السخط ، ولذا قال سبحانه : هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ الدرجة هي الرتبة والمنزلة ، ومنها الدرج بمعنى السلم ؛ لأنه يعلى عليه رتبة بعد رتبة ، وأكثر ما تكون كلمة الدرجة في القرآن بمعنى المنزلة الرفيعة ، ومن ذلك قوله تعالى : وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ